Quantcast
Channel: Ashraf Nasr
Viewing all 85 articles
Browse latest View live

المدينة المختفية

$
0
0


المدينة المختفية
يوناني
إخراج: جورجوس زافيرز

 http://www.imdb.com/title/tt0269183/?ref_=nm_flmg_dr_1
1-السيناريو:
يقدم الفيلم : اللاجئ الذي يعود لمدينته
فيجدها –أطلال
لكنها موجودة وستظل موجودة دائما
فى ذاكرته
يمزج السيناريو بين الأزمنه:
الماضي---المدينة والأهل
الحاضر –الأطلال والوحدة
يقدم الفيلم: تدفق لصور سينمائية بالغة الجمال والرهافة فى تصوير المدينة وأثر ذلك على الرجل.
تظل المزاوجة بين الحقول وبين الخراب الذي يحل محل تلك الحقول.
وبين الشجرة وأنقاض البيت
وبين المراة التي يحبها وأولئك الغرباء الذي يجمعهم ضياع واحد.
إن تتابع الصور بين الجنود الذين يحاصرونه
والدراجة التي يحاول بها الوصول لمكان.
والخريطة التي ينظر فيها فى مفترق الطرق دون أن يعرف إلى أين يذهب
والعراء الذي يظل مسيطرا على مشاهد الفيلم
هذه الصور المتدفقة تصنع فيما بالغ الجمال والتفرد
إن الرجل يغرق فى فلاش باك ثم يعود منه بشكل واضح نعرف منه أنه يتذكر ---هذا فى البداية
ثم يمتزج الماضي بالحاضر على مستوى الحدث وتمتزج الأزمنة
ليصبح السؤال عن الزمن أمرا لا جدوى منه لأن الحالة واحدة
والضياع واحد والعراء مسيطر
والأشخاص يصبحون وجودهم بلا دلالة وقد ذهب أحباءه.
2-الشخصية:
يقدم الفيلم شخصية رئيسية واحدة هي البطل ماندرجو الذي يكون عين المشاهد للتعرف على تلك المأساة بلا كلمات
ونلاحظ تقلص الحوار لأقصى درجة لان الصورة تشرح كل شيء
ونلاحظ أن الشخوص يظهرون فى الفيلم كما يمثلون عند البطل فهم أشباح أو مجرد ذكريات لم يبق منها شيء.
وتظل المأساة وتطبع على ملامحه ذلك الجمود القاتل الذي يواجه به مدينته المختفية
وكأن ذلك الوده قد صار جامدا من كثرة ما تعرض له صاحبه من مآسي.
ونحس مع الشخصية بالألم البشري المتجسد فى فقدان المدينة وأهلها
وفى مدى الاحساس بالطبيعة من خلال التعامل مع الحقول والشجر والماء
ثم الصحراء القاتلة والبيوت المهدمة والخيام المهترئة.
لقد انقسمت الشخصية إلى مرحلتين :
مرحلة الشخصية السعيدة بماضيها البعيد
ومرحلة الشخصية المعذبة بالحاضر المؤلم
3-الإخراج:
هذا الفيلم يحتاج لمخرج متفرد يستطيع من خلال كادراته واختيار زوايا التصوير وأماكن التصوير أن ينقل لنا:
كل شحنة هذا الفيلم
فالبطل الحقيقي هنا هو الصورة وما تحويه من مفردات
يقدم لنا المخرج مثلا:
من خلال ظل الدراجة على الأرض يوضح تغير ومرور الزمن
وهي وسيلة انتقال على قدر بساطتها على قدر خروجها من قلب الموضوع
ومن خلال:
L.sh
للبطل وهو يسير بدراجته نحس بمدى :
ابتعاده عن نهاية الطريق كأن الطريق بلا نهاية
ونحس بمدى صعوبة ذلك الطريق وتعرجاته
ونلاحظ وحدة البطل
استخدم المخرج "الكلوز آب"بشكل متميز حيث كانت المرات القليلة التي استعملها المخرج كانت هي:
أشد لحظات المعاناة: فنرى:
كلوز-لوجه الأم العجوز التي يحملها شاب ويهرب بها
-للبطل حين يرى أطلال البيت
-ليد البطل التي تبحث عن يد حبيبته
-لوجه الطفلة تطل من فتحة أو أحد أجزاء الخيمة المهترئة تتذوق طعم المطر.
استغل المخرج كافة امكاناته من حيث التأثير على المتلقي واشتخدم بشكل خاص: التصوير والموسيقى
وكانت الموسيقى الهادئة المكتومة الممتلئة بالشجن أحد عوامل تأصيل الحالة فى نفس المتلقي.
وكان التصوير خاصة فى مشاهد التذكر والإضاءة التي تخفي تفاصيل الملامح وتضفي الحزن على الوجوه
وخاصة: فى مشاهد النهر ووجه المحبوبة
والغروب على القارب
استحق المخرج بتلك الشاعرية جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان سالونيك لعام 2000
4-الإيقاع:
يعتمد الفيلم بالأساس على التداعي والذاكرة التي تتداخل بها الصور والمرئيات.
وكان الإيقاع فى الفيلم يشبه إيقاع تداعي الذاكرة:
إيقاع هادئ –متأمل- يستعرض البطل أماكن مدينته المختفية بنفس إيقاع ذاكرته التي تستعرض ماضيه.
لذلك كان الاعتماد الأساسي فى وسيلة الانتقال بين المشاهد على المزج .
وابتعد غالبا وتقريبا نهائيا عن القطع الحاد.
لأن الفيلم يحتاج التواصل من المشاهد بهذا الشكل من أشكال الإيقاع الهادئ المتأمل البسيط والعميق فى الوقت ذاته
5- أهم المشاهد:
هو مشهد المطر
حيث نرى المطر يغرق تلك الخيام ولا ملجأ سوى تلك الخيام التي لا تحميهم
لذلك رغم اختباءهم لكنهم فى قلب العراء
والمطر يغرق : الأواني-الكراسي-الأرض كلها
والطفلة تنظر من مزق الخيمة للتذوق طعم المطر
المالح بالتأكيد !
والبطل يراقب المطر بحسرة على قسوة السماء والأرض عليهم .
***
أشرف نصر

The Wings of the Dove

$
0
0
فيلم: اجنحة اليمامة
قصة:هنري جيمس
سيناريو:حسين أميني
1-السيناريو:
يطرح السيناريو قصة ميلي الأمريكية التي تحمل براءة خاصة وكيف تتعامل بمنتهى النقاء مع صديقتها الإنجليزية وصديقها ميرتون.
وكيف تتعامل معها كيت)الصديقة الإنجليزية) بشكل غير سليم وبه قدر من الإنتهازية .
حيث ترى فيها راعيا جديدا سيرعاها تماما كما علمتها خالتها.
والتي عودتها –الخالة- على وجود مصدر للانفاق عليها ولدرجة أن لقاءها بوالدها ومعرفتها بما فعلته الخالة بإبعاد الأب عن طريقها فهي لا تستطيع تغيير هذا الوضع وهذه الحياة –الطفيلية—.
وقد جاء استغلال السيناريو لمكان مثل فينسيا بكل دلالات المدينة من ثنائية:
جمال – موت
2-الشخوص:
أ-شخصية ميلي:
نرى أزمة ميلي المسكينة التي تسقط فريسة للمرض وهالة الشهداء التي تغطيها.
فهي فى النهاية رغم معرفتها بالخديعة التي تعرضت لها من:
أقرب الناس إليها: صديقتها -----وحبيبها
فإنها تترك أموالها لهما .
وهي شخصية مضحية تتحمل الألم من اجل الآخرين .
وهو ما يطرح التساؤل حول موقف هنري جيمس الذي طالما تبرأ من الجنسية الأمريكية!
بينما يغلف شخصيته الأمريكية بهذه الهالة الكبيرة والمبالغ فيها نوعا ما من النقاء .
ب-شخصية كيت:
هذه الشخصية الانتهازية التي تقوم بالحياة على ابتزاز صديقتها.
وتبدو فى البداية كضحية لظروفها لدرجة أن أبوها يلقى بلا عناية وتثور ضد خالتها لكنها: تعود بعد ذلك لتكرر نفس فعلة خالتها وتبحق عمن ينفق عليها ورغم أنها ترفض حب اللورد.
لكنها تستغل صديقتها.وتشتغلها أبشع استغلال خاصة بعد علمها بمرض الصديقة وبدلا من رعايتها فى أيامها الباقية فهي تكمل لعبتها.فى التقريب بين صديقتها وحبيبها على أمل الانتفاع بأموال صديقتها فى حياتها وموتها
ج-شخصية ميرتون:
هي شخصية ملتبسة بعض الشيء فهو :
يحب كيت ويحارب من أجل الاقتراب منها وبعد ذلك يقتنع تحت إالحاحها من الاقتراب من الأمريكية ميلي.
ويكمل اللعبة ويوهمها بحبه إلى يكتشف مصادفة أنها مريضة وستموت فيحس بالذنب
لكن الوصيفة تطالبه ألا يخبرها بأنه خدعها رأفة بها فيفعل ذلك.
وفى النهاية يصر على الزواج بكيت بعد موت ميلي بدون أموال ميلي
وهنا توافق كيت بشرط ألا يحب ذكرى ميلي .
وكأنها تعلم أنه من داخله
يحب –ولو مجرد ذكرى –ميلي
فيتذكر ميرتون ميلي فى فلاش باك كأنه يودعها بذاكرته لانه سيكمل حياته بدونها.
وشخصية ميرتون شخصية ثرية معقدة تحتوي الشيء ونقيضه ورغم ذلك متسقة مع ذاتها وتخضع لقوانينها التي ترتضيها لنفسها.
فهو يحب كيت ويرضى بالاتفاق والحياة مع فتاة أخرى من أجل الوصول فى النهاية للعودة لكيت.
وكأن كل لمسة يلمسها لميلي وكل اقتراب منها سيقربه لهدفه ولفتاته كيت.
وفى نفس الوقت إعطاء ترياق الحب للمريضة الوحيدة المسكينة ميلي.
من هنا جاء تعقيد وثراء شخصية ميرتون
3- الديكور:
أ-استغلال الديكور فى قاعة البلياردو أستغلالا دراميا موفقا
حيث تتأرجح العلاقة ككرة البلياردو –بين ميرتون وكيت
وتذهب وتجيء بلا استقرار
إلى أن تستقر الكرة فى النهاية فى مستقرها
ب-مشهد الاحتفال:
وهنا تجلى الاهتمام بديكور المكان الناسب للفترة التاريخية فى لندن فى بداية القرن العشرين وبجانب الديكور ظهرت ملابس الشخوص مطابقة لملابس هذه الفترة التاريخية
4-الإخراج:
استخدم المخرج التكوين للتعبير عن شخوصه وموقفهم داخل الدراما.
فكان حريصا على ابراز دلالات تكوين المشاهد وموقع كل شخصية فى الموقف
فنرى: أ-فى مشهد السلم:
كيت تهبط
ميرتون يصعد
حيث نرى مشاعر كيت التي تنحدر إلى استغلال صديقتها وخداعها من أجل المال
بينما نرى ميرتون الذي يكره الدور المرسوم له ويحس بمدى نذالته مع ميلي.
ب- عندما مات الأب تظهر مياه فينسيا
بكل ما ترمز له المدينة من : جمال
                               موت
                            شجن
ج- مشهد الرقص:
تراقص ميلي ميرتون وتراقبهما كيت بنظرة غيرة
تبرز شدة حبها لميرتون وقسوة خداعها لصديقتها .
وتحش أنها هي الخاسرة من تقريبها بين ميرتون وميلي.
واعتمد المخرج على كلوز لوجه كيت تكرر ليبرز نظرتها المشتعلة بالغيرة وكأنه يقطع بهذه النظرة إيقاع الرقص فى السريع فى الحفل
4- أهم المشاهد:
أ-مشهد الاحتفال:
لقد كانت الحركة والاستعراض الراقص الدال على البهجة وتقريب كيت ميرتون حبيبها من صديقتها ميلي وسعادة ميلي بهذا الشاب.
ثم نظرات كيت المشتعلة بالغيرة تكشف عن أطراف الصراع ومواقف الشخصيات فى الفيلم
ب-مشهد القارب:
لقد جاء المشهد بالظلام والظلال التي تنعكس على صفحة الماء
وميلي وميرتون فى قارب وكيت فى قارب آخر
ونداءات الثلاثة على بعضهم البعض فى المدينة الهادئة وذلك الظلام الذي يشبه ظلام الموت فى مدينة الجمال المتجه للموت.
ج-مشهد الجنس فى النهاية:
جاء المشهد رائعا فى مفرداته
من حمى الاقتراب والتداخل فيما بينهما
وموسيقى هادئة منسابة
وكلوزات على وجهيهما
وجملتي الحوار الهامتين جدا:
ميرتون: سأتزوجك بدون أموالها
كيت: بشرط ألا تحب ذكراها .
هذا لأنهما لن يجدا سوى نفسيهما ليحتميا ببعضهما البعض
وستذهب اليمامة التي انكسرت أجنحتها
وسقطت فى غياهب النسيان
بأموالها وحبها.
***
أشرف نصر


The Music Lovers

$
0
0

عشاق الموسيقى
 اخراج: كين راسل
 بطولة:ريشارد شبر-ليندا جاكسون
إنتاج:1970
عندما تتوحش الصورة
 مفتتح احتفالي:
 الذاكرة البصرية للمخرج هي أول ما لفت نظري فى الفيلم ذلك المخرج المسكون بصور سينمائية بالغة الثراء الفني من اول مشهد البداية الي مشهد النهاية التى تمنيت ألا تاتي.
 فنرى صورا سينمائية متدفقة ولغة صورة عالية ترفع قيمة الفيلم ليوازي قمة موسيقية عالمية فيكون التحدي: موسيقى تشايكوفسكي= صور كين راسل
. ■■
 كونشرتو البيانو:
 يجمع السيناريو شخصيات الفيلم يستمعون الى كونشرتو البيانو الذى يعزفه تشايكوفسكي ، ويطرح أثر الموسيقى على كل من
البارون ---العشيق المولع بتشايكوفسكي
الاخت ---التي يخصها تشايكوفسكي بعشق خاص
البارونة --- التي تحب الموسيقى ثم تحب صاحبها
الزوجة---التي تتخيل الضابط كزوج لها
 ومن خلال تصور كل منهم لحياته مع تشايكوفسكي يتخيل هو أخته فى ملابس بيضاء جميلة كأنها شىء طاهر ومقدس فى حياته وملائكي أكثر منه بشري فى جو من الطبيعة الخلابة . وجاء تخيل المرأة الشهوانية منطقيا وتقديما جيدا لشخصية بكل هذه الرغبة وفى التعرض لكيفية دخولها لجحيم الزواج من تشايكوفسكي. واخيرا تأتى البارونة التي ستكون محور الأحداث والمحرك الأساسي بما ستوليه من عناية له.
 2 -بحيرة البجع :
 الربط بين الموسيقى فى بالية بحيرة البجع وشخصيات الفيلم لم يكن حالة مفردة بل تتالت بعد ذلك وإن كانت فى هذا المشهد واضحة الدلالة فالبجعة البيضاء التي تمثل الخير -يتخيلها تشايكوفسكي أخته .
والبجعة السوداء كأنها الشر تكون زوجته والبارون كأنه نذير الشر
 فكان الرمز البصري بديلا عن الاف الكلمات التي كانت ستقال لشرح شعوره نحوهم.
■■
3 -مشهد القطار :
 اهتزاز القطار
 شهوانية المرأة
فرار الرجل
جحيم المواجهة
الاقبال والادبار
 العرض والإعراض
 توجع المرأة من الصد
 أنين الرجل من العجز عن الفعل
 الخمر التي كالعلقم
 وليلة اللقاء الحميم التي تتحول لعذاب
 الإضاءة التي تتمايل على وجهيهما
 التقطيع السريع على انفعالات وجهيهما ..
هذه بعض مفردات مشهد من اروع مشاهد السينما حيث تحولت ليلة اللقاء الجنسي كأنها مذبحة بشرية تخسر فيها كل الأطراف وتنقطع بعدها كل اواصر الود.
 ■■
 4 -مشهد عيد الميلاد:
 ما طار طير وارتفع
هكذا بعد أن ارتفعت صورة تشايكوفسكي فى سماء الدنيا وإرتاح من إلحاح زوجته وسعد بنجاحه ولقاءه اخيرا بالبارونة التي طالما أنفقت عليه يأتي البارون ----فيحدث الإنهيار.
 وجاء التأثير البصري الرائع بعد أن أبلغ البارون البارونة بعلاقته مع تشايكوفسكي تتآكل وتنتهي صورة تشايكوفسكي التي رسمت بالألعاب النارية إلى أن تزول نهائيا
 ■■
5 -مشهد المستشفى :
 لقد ظلت الزوجة تقنع نفسها أنه يحبها لكنها تنهار أخيرا وتعترف أنه يكرهها فتضرب نفسها فى الحائط لتفيق نفسها من وهم دمر حياتها.
 وبعد انهيار الروح ينهار جسدها ثم ينهار عقلها مخلفا وراءه شبحا لإمرأة طالما كانت حلم الرجال.
 ■■
 6 -بعض من عشرات التفاصيل الصغيرة التي تمنح الفيلم تفردا خاصا :
 1 -ارتطام الزوجة بالباب الذي كان أطول من قامتها كأنها أقل من الحياة التي ستدخلها
 2 -حين علمت من رسالته أنه يحبها تلسعها النار كأنها نفس النار التي ستطولها
 3 -الفلاش باك بين الفتاة التي تغني فى الحمام والأم التي ماتت فى الحمام
 4 -فى مشهد الليلة الأولى : يلتفت كل منهما إلى جانب ويبكي على جرحه الخاص.
 5 -عند حضورأم الزوجة : تأتيه الزوجة لتسأله عن حاجته لشيء فيرفض مساعدتها رغم أنه كان فى أشد حالات احتياجه لها .
 6 - المفارقة الكامنة :بين عظمة موسيقاه وشقاء حياته جعلت كين راسل يصنع مفارقة هائلة بين :السيمفونية العاطفية ومشهد المستشفى فى النهاية
 
7-الحياة الخاصة للمشاهير:
سيظل المبدع انسانا وليس إلها وأجمل ما فى انسانيته هو حسناته وبنفس الدرجة نزواته.
والصدق الفني يقتضي عدم صنع تماثيل لأشخاص منزهون عن الخطأ معصومون من النزوات
بل تقديم الحقيقة
إن اجمل ما فى تشايكوفسكي أن حياته القاسية المريرة لم تدمره على العكس دفعته للإبداع والتفرد ولأعظم درجات العبقرية الفنية
لذلك أري أنه الأفضل إلقاء الضوء على الحياة الخاصة للمشاهير كما هي لأنها جزء لا يتجزأ من إبداعهم
26-9-2000
أشرف نصر


Don’t Look Now

$
0
0
فيلم : لا تنظر الآن
http://www.imdb.com/title/tt0069995/
يسير الفيلم بالتوازي بين: الحياة ----والموت
وبين الفتاة ----والأب
وبين المنطقي ----والقدري
وبين الحادث ----والمتخيل
فنرى:
1-فى مشهد وفاة الإبنة يتوازى مع اضطراب الأب
وكلما حدثت مشكلة للبنت ----اضطراب أكثر للأب
لتكون النتيجة:
نقطة دم تسيل على الصورة التي يشاهدها الأب –كأنها دم ابنته
2-الانتقال غلى فينسيا:
ليس انتقالا مكانيا---بل هو انتقال روحاني
من عالم المادي ---إلى عالم تداخل المتخيل مع الواقعي
ظهور البنت ---الميتة
العمياء----التي رأت ببصيرتها
3-هذا التوازاي جاء حتى فى التفاصيل:
وتجلى فى أكثر من مشهد::
الجنس بين:
التعري ----وارتداء الملابس
بين تداخل الجسدين ---وانفصالهما
بين حمى الرغبة ---والموسيقى الناعمة
4-ماذا تمثل العمياء ؟
هي تلك البصيرة التي تخالف المتوقع من حيث:
أنها متخبطة فى الظلام
وعلى العكس كان الأب هو أكثر من يتخبط فى الظلام
)مع ملاحظة أنه يعمل فى ترميم الكنائس
رغم أنه هو أكثر من يحتاج لترميم نفسي ومعنوي بعد حادثة البنت وما تلاها
5-مشهد السقوط:
يترنح الأب تحت صربات لعبة فينيسيا /الموت فيحدث:
أ-تتراءى صورة العمياء كانها تسخر منه
ب-اللوح الخشبي الذي يسقط بشكل غير منطقي –واقعيا لكنه منطقي فلسفيا-
ج-تكون النتيجة بحثه عن العمياء
التي حاول أن يبعد زوجته عنها
6-مشهد الختام:
الموت الذي طالما تراءى للأب على أنه البنت
يظهر فى النهاية
فالمصير يطاردنا
كما نطارده
وكما حاول الأب أكثر من مرة أن يكتشف من يرتدي العباءة الحمراء
نجد أنه الموت أو المصير الذي كثيرا ما طارد الأب.
7- عن الشخصيات:
جاء رسم شخصية الأب فى انفعالاتها وتصرفاتها نابعة من رسم دقيق فى السيناريو
كشخص عقلاني –يعتمد على حدسه احيانا وقت الخطر )مشهد موت البنت)
وكيف تسلل الخطر إلى داخله
إلى أن اجتز الموت رقبته
وظهرت شخصية الأم كشخصية مجاورة وليست بثقل شخصية الأب
فنحن نحس بلوعتها فى مشهد واحد فى غرفة العمياء
حينما تحاول العمياء الاتصال بروح البنت
أما شخصية العمياء :فلها بريق لما تتمتع به من يقين وثبات لا يتفق مع المظهر
وهو الظلمة التي تعيش فيها.
فيلم يمكن أن تحسه لكن يصعب حكايته للآخرين، لاعتماده على مشاعر الشخصيات وانفعالاتها الداخلية تجاه حدث واحد – لكنه غير معالم حياتهم جميعا.
***
أشرف نصر 

الكومبارس

$
0
0


فيلم: الكومبارس
سيناريو وإخراج: نبيل المالح
تمثيل:سمر سامي –بسام كوسا
أولا السيناريو:
يطرح الفيلم قضيته الخطيرة بشكل شديد الرقة والجمال الفني حول المواطن وعلاقته بالمعنى الحقيقي للحرية .
القضية هي كما يقول صنع الله إبراهيم فى روايته اللجنة
"كان من واجبي أن أقف ضدكم ، لا أن أقف أمامكم"
إن المواطن البسيط الذي يعمل ككومبارس ولا يشغل باله بالسياسة ومواجهة التسلط والدكتاتورية تطارده تلك الديكتاتورية حتى فى علاقته بمن يحب
لأن: المؤسسة تستند إلى دعامة أساسية
وهي صدور الشعب
النظرات المرتابة والاعتقال لمطرب أعمى مسكين
والاعتداء الواحشي على البسطاء
كل ذلك مجرد تلميح أو ملمح من ملامح المأساة التي تنتظرنا بالخارج
إن الشقة التي هي من المفترض مستودع الأمان تتحول بشكل كابوسي لسجن ليسحق من بداخله
فكرة الكومبارس:
براعة اليسناريو فى اختيار مهنة الكومبارس
فالكومبارس هنا: دور فى الحياة وليس مجرد وظيفة
إنه دور مفروض على الجميع وليس البطل وحده
بل والبطلة –والمطرب الاعمى –والصديق وتتسع الدائرة لتشمل الوطن ككل
لذا مشهد الختام –لقطة عامة لدمشق
لأن المسالة أو القضية: أن حرية الوطن تبدأ من حرية الفرد
واختناق الوطن بقيود الديكتاتورية سيسحق مشاعر أبناء هذا الوطن ويشوه اجمل ما فيهم.
يظل التواصل هنا حلما بعيد المنال
ويعجز البطل والبطلة عن الحب
وعن الحديث بصراحة
والتوتر يسيطر عليهما
إن هذا الجو الخانق من المنطقي أن تسيطر فيه الأحلام والكوابيس وأحلام اليقظة على الشخوص.
لذا تكررت أزمنة التخيل وأحلام اليقظة.
ثانيا: الشخصيات:
1-شخصية البطل: منذ تقديم الشخصية ونحن نعيش مع تفاصيلها فنحن من أول التتر نرى خواء حياته ومدى حرمانه
فرغم أنه تخطى المراهقة لكنه يستمتع بالصور الجنسية، ويدخن الحشيش
وكل ذلك مع عمل مرهق لا يرحم.
إنه شخص مضطرب تكثر تخيلاته بين: أحلام يقظة مثل:الحلم بالفتيات
وتخيلات مثل: الشرطة وهي تضربه.
شخص يطلب من الصديق الشقة ليقضي يوما مع من يحب لكن:
الشلطة تخنقه وتحاصره لدرجة العجز: عجز جنسي –عن ممارسة الجنس
عجز عاطفي ----عن حب الفتاة
جساماني---عن حماية المطرب
إن التلعثم الدائم فى الكلام
والنظرات المضطربة
والارتجاف الدائم
كلها ملامح لشخصية البطل تؤكد أن : التدمير وصل لداخله والسجن أصبح داخله.
شخصية البطلة:
تويعة أخرى لشخصية البطل لكنها تبرز شكل قاسي للمأساة
المرأة التي تجاوزت سن الزواج –أو على الأقل وصلت له لكنها لا تستطيع
ولا تقدر على الحب
دائما خائفة –مهددة بالفضيحة
ترتعب من أقل الأصوات
تتمنى الحب لكنها لا تقدر على منع ذاتها
فقد سلب وحش السلطة منها كل شيء حتى القدرة على الحب.
ثالثا: أهم المشاهد:
1-مشهد السرير:
حين يكون سلك السرير فوقهما
ويرقد البطل فوقها لكن سلك السرير يصبح كسلك القضبان الذي يحاصرهما.
لذلك كان من الطبيعي ألا يقدرا على ممارسة الجنس مع كل تلك الأسوار.
كانت الكاميرا
Low angle
وحجم اللقطة
M .sh
نحس فيه مدى حصار الشخصيتين فى "السجن"
مع الإضاءة الخافتة ..
ثم تأتي الكلوز على وجهيهما لتبرز المعاناة.
2-مشهد تمثيل المسرحية:
حيث يتبادل البطل والبطلة أدوار الحاكم والمحكوم
لنرى اللعبة تتكرر أو الحكاية داخل حكاية
ونرى قصة الفيلم تعاد فى شكل تمثيلي صارخ وكاشف. مع جمل حوار هامة جدا:
"وهل المواطن لازم يموت"
وتميز المخرج فى اخراج المشهد التمثيلي بالتقطيع على وجهيهما
والحركة السلسة للكاميرا حولهما .
3- مشهد النهاية:
حيث جاءت إشارة هامة من المخرج عندما عرض الوطن فى لقطة عامة ليؤكد أن القضية ليست قضية فرد بل أزمة وطن.
رابعا: أسلوب المخرج:
تميز نبيل المالح فى اجتياز اختبار صعب فى وضع شخضيتين داخل مكان واحد
وكسر ملل الحوار
لذلك جاءت حركة الكاميرا وكثرة التقطيع واستخدام الأزمنة بين: تخيل وحلم يقظة الخ
من أجل التنويع وكسر الملل.
وجاء إيقاع الفيلم سريعا مع شخصياته المتوترة التي لا تكاد تهدأ او تستقر.
خامسا: مشكلة فى الفيلم:
أرى أن تكرار أحلام اليقظة كان مفيدا ومناسبا للشخصية
لكن زاد عن اللازم مما أدى لكسر الإيقاع أحيانا
والأهم أنه أصبح أحيانا بلا فائدة دون تقديم جديد للدراما فقد أدى التكرار لضياع الشحنة المطلوبة عند الاعتداء على البطل من جانب الشرطة
حيث يتخيل هنا شيء ويحدث عكسه –حيث هو يضربهم-لكن كثرة تكراره افقده الأثر المطلوب.
أخيرا: يوم خاص لايتوري سكولا:
التشابه الشديد بين فكرتي الفيليمين والتيمة المشتركة والشخصيات وسماتها العامة
جعل المقارنة وإن كانت فى غير صالح الفيلم السوري
الذي سيفقد الكثير من خصائصه مقارنة بفيلم بروعة: يوم خاص
فيكفي فقط الاستغلال الرائع فى شريط الصوت للراديو لوقائع زيارة هتلر لإيطاليا فى :يوم خاص.
لذا تبقى –عندي كلمة : ما أروع الأصل !
***
أشرف نصر

The Color of Paradise

$
0
0
                                                             
فيلم :لون الجنة
إخراج: مجيد مجيدي
أولا: السيناريو:
من يد تلمس الحروف إلى تلمس الأرض ،وأخذ العصفور،وصعود الشجرة
إلى تلمس وجه الفتاة،ثم تحسس الزرع ،إلى آخر مفردات لغة جديدة يلعمها لنا الفيلم،
ليست لغة لمس الأشياء بل لغة الإحساس بها .
إن يد الله التي يخبر المدرسون بها الطفل محمد، وأنها ستلمسه هي نقطة بداية ونهاية الفيلم.
لقد تم بناء السيناريو على أساس التصاعد فى التعرف على الأشياء
وتطور علاقة محمد بالزرع والبشر والكائنات
ليصل لعلاقة مع الخالق، خالق كل هذه الأشياء..
يتواصل محمد مع البراءة وشخصيات تستطيع أن تقبل هذه البراءة )الطفلتين-الجدة-العصافير)
بينما من لم يصل إلى مستوى الشفافية –الأب-نرى علاقته المتوترة مع محمد فهو بالنسبة له مجرد طفل أعمى .
طفل لن يكون سوى معوقا لكل مشاريعه فى الزواج والحياة الطبيعية.
ثانيا: الشخصيات:
محمد: رسمت شخصية محمد كشخص يحمل مستويين فى بناء الشخصية :الشكل الخارجي الذي يقدم طفل غير جميل شكليا..بينما يحمل فى ضلوعه شخصية ملائكية ،،طفل لا تملك إلا أن تحبه ،،فهو يتواصل مع الشجر وصوت العصافير.
إن الطفل محمد يغضب ويثور فى مشهد وحيد حينما يحس أن رغم كل رعاية مدرسه وجدته ،لكنه يرى أن لا أحد يحبه وخاصة الله الذي خلقه هكذا ..
هذه الثورة ليست بقصد الرفض والتمرد بقدر ما هي تساؤل وعتاب من محب لحبيبه..وكأن علاقة محمد والله علاقة بين المتصوف وربه..
إن اليد التي تنير فى النهاية هي قمة الوصل ..وتجلي المحبوب لحبيبه.
2-شخصية الأب: رسمت الشخصية بعناية ،حيث يقدم كمسكين تعاطفت معه بشدة ،فقد أضفى عليه السيناريو النبل،فهو بلا زوجة وله أم عجوز وطفل أعمى ،لا يقدر الأب على الزواج ،حتى الفتاة تعيد له شبكته وهداياه.
ورغم كل قسوة الأن لكننا –او هذا تصوري- أراه مسكينا يستحق الشفقة ،وخاصة فى مشهد المطر حيث نرى كم هو بائس يشبه ابنه..
فالأب يحتاج هو الآخر ليد الله لتنقذه ،لذا كان من الرائع أنه رغم كل ما فعله للتخلص من ابنه لكنه فى النهاية يحارب من أجل انقاذه وكاد يفقد حياته..
3- شخصية الجدة: نموذج ثالث للحكاية ،فهي من الكبار الذين لن يحسوا براءة الأطفال أو ملائكيتهم لذلك يعلن محمد أن جدته لا تحبه..لكنها رغم ذلك ليست مثل الأب فهي تحاول التواصل مع محمد وتفعل ما في وسعها لاسعاده ..
إن مشهد موتها وابتسامتها كأن يد الله مستها هي الأخرى ..
وفى مشهد المشهد نرى روعة الشخصية التي تتعذب من أجل حفيدها ،وتخرج معرضها نفسها للخطر ..إن الجدة نموذج العلاقة أو الجسر بين عالم الكبار بكل مشاكل الحياة والأطفال بملائكيتهم.
ثالثا:الإخراج:
1-لاحظت كثرة استخدام الكلوز آب ربما بشكل كثير جدا لكن تم توظيفه ببراعة فى الفيلم
وخاصة على اليد لأن اليد هي عنصر أساسي فى الدراما
فهي عنصر التعرف على الأشياء عند محمد فهي عينيه.
وأروع استخدام لها كان فى النهاية حيث نرى خاتمة الحكاية ومغزاها.
2-جاءت الأحجام مناسبة مع احساس الشخصية بالمكان حيث نرى اللقطات الطويلة فى مواقف قليلة حينما يلهو محمد فى الغابة ،وحينما يحبحث الأب عن محمد فى مشهد الغرق
بينما جاءت الأحجام المتوسطة تشعرنا بحصار المكان للشخصيات وخاصة ومحمد فى المدرسة والبيت .
رابعا:أهم المشاهد:
1-مشهد الغرق: رغم طول المشهد الذي كسر إيقاع الفيلم وزاد طول المشهد عن اللازم لكن براعة المشهد تغفر ذلك خاصة والطفل محمد لم يظهر أبدا
وكأن الله أخذه عنده ..والأب يبحث عنه فى الماء وكأنه لن يصل له أبدا..والحصان يغرق رغم قوته.
2-مشهد النهاية: حيث الإضاءة البيضاء على اليد فى كلوز أب ليد الطفل
لنرى دون حاجة لكلمة واحدة كيف لمست يد الله كف محمد.
وأظهر المخرج ذكاءا فى عدم ظهور وجه الطفل.
3-مشهد الحلاقة: حيث يحلق الأب ذقنه فيجرح نفسه عند سماع ذلك الصوت المخيف والذي أراه مجسدا لهواجسه ورغباته الشرير فى التخلص من الطفل ونرى وجه الاب متشظيا فى المرآه المكسورة وكأنه المصير الذي استحقه عند التفكير فى ذلك.
4-مشهد المدرسة:ونرى الطفل الأعمى أفضل فى القراءة من المبصرين
ويلعب معهم والأطفال فرحون به بينما الأب خارج السور يرمقه بغضب ويضرب الحصان بغضب
ونرى مشهد لعب الأولاد بالتصوير البطئ ولهوهم ببيض الطيور.
أخيرا: قدم مجيد مجيدي فيلما فلسفيا يخترق مشاعر المتلقي ويعيد تشكيل تفكيره ووعيه فى قضية فلسفية بشكل سلس للغاية
***
أشرف نصر


مولد يا دنيا

$
0
0


مولد يا دنيا
نظرة وردية ومشهد أيقوني!
أشرف نصر
تأليف: يوسف السباعي
إخراج: حسين كمال
"أهي دي الدنيا"جملة مكتوبة على الشاشة بدلا من كلمة النهاية،أنهي المخرج بها فيلمه كخلاصة أو دعوة لحب الحياة،الجملة –بسبب جمال العامية المصرية ومراوغتها- يمكن تفسيرها على أنها:هذه هي الدنيا،أو:هكذا ينبغي أن تكون الدنيا.فرح وغناء وكوميديا ومشاغبة الأحزان،فهي نظرة وردية تحث على التفاؤل والفرح،فكيف قدم أو وصل لهذه الجملة؟
إذا عدنا لتتر البداية سنجد الإنتاج لشركة معروفة للانتاج الغنائي والسينمائي– للترويج لمطربي الشركة- تقدم المطربة ذات الصوت العذب:عفاف راضي للمرة الأولى،لكنها "بعدها"لم تصبح نجمة سينمائية،فقدراتها التمثيلية ليست كبيرة،وحتى فى الغناء ابتعدت أكثر مما غنت،وبعيدا عن البحث عما حدث لها – رغم امكانيات صوتها الرائعة- لكن يبدو أنهم قصدوا أفضل تقديم لمطربة،فقدموا لنا صنيعا لم يكن فى الحسبان، فيظل "مولد يا دنيا"واحدا من الأفلام المبهجة التي تحارب كآبة الحياة،قدموا لنا فيلما مسليا بسيطا به الغناء والكوميديا وقادهم مخرج يعرف كيف يلعب عندما يعمل،يلعب ويتسلى وهو يعمل دون أن يكون اللعب جريمة فى حق مهنته بل كجانب من جوانب السينما،ونقصد المتعة،ساعده فى ذلك نخبة الشعراء والملحنين المبدعين:مرسي جميل عزيز وكمال الطويل وبليغ حمدي ومنير مراد وعبد الرحيم منصور وغيرهم
سيناريو الفيلم لم يقدم جديدا فى تاريخ الأفلام الغنائية المصرية،حدوتة بسيطة،وشخصيات نمطية مسطحة،إما طيبة أو شريرة والبناء جاء كحكايات الجدات لأحفادهن،حكاية مسلية، فيها الطيبون والأشرار،وصعوبات تواجه أبطالنا، لكنها مجرد عقبات صغيرة تليق بحكاية للأطفال، فحتى الشر فيها خفيف الظل، لنصل لحل سعيد يرضي الطفل ويجعله ينام يحلم أحلاما سعيدة،
فكرة الفيلم: مجموعة من النشالين والنصابين يستغلهم زعيم عصابة،ويراهم مخرج قادم للبلدة من العاصمة فيحولهم لفرقة رقص استعراضي ناجحة.
أما المقولة التي ألح عليها الكاتب–وهو أحد رموز الثقافة الرسمية- ثنائية مزعومة يقدم فيها نظرة دونية للفن الشعبي ويطرح الفن المؤسسي كفن أرقى وأفضل!،حتى أنه يقدم فى حل تصالحي اعتراف المحافظة بهم وتقديمها لمسرحها لهم لتقديم حفلهم الأخير!
هذا الحل التلفيقي يمر مرور الكرام معتمدا على رحابة صدر المشاهد فى مشاهدة الفيلم الراغب فى التسلية،فنجد زعيم العصابة "يحن قلبه"وهو يرى الأولاد على المسرح فيدخل للغناء معهم،وقبلها مساعده يستيقظ ضميره عند محاولة قتل الحصان "شنكل"الذي يعتمد عليه أعضاء الفرقة،
ولكن خط الحصان "شنكل"من أفضل ملامح السيناريو- الملئ بالمشاكل بداية من الفكرة حتى النهاية مرورا بالحبكة والشخصيات وصولا للنهاية المتصالحة- فعلاقة "ريشه"عربجي الحنطور بحصانه من المرات القليلة التي قدمت فيها السينما المصرية علاقة إنسان بحيوان بهذا الشكل الجميل،حيث يحدثه ريشه ويستشيره بل ويبيعه بناءا على رأي الحصان لدفع كفالة شباب الفرقة المحبوسين،حتى يعود "شنكل"فى زفة تليق ببطل بعد أن استردوه،
وعلى سبيل المثال من مشاكل الفيلم –كسيناريو- أن المفترض أنه قدم فى النصف الأول من الفيلم علاقة حب بين إسماعيل وزبدة زميلته فى النشل،وعند حضور المخرج عادل تتحول مشاعرها تجاهه،وتظل النصف الثاني من الفيلم تحاول أن تحوز حبه حتى يعترف لها فى الإستعراض الأخير،وحين عرض عليها زميلها إبراهيم الزواج ترفضه لأن مشاعرها مع عادل فيخون إبراهيم الفرقة بسبب الرفض،تحول مشاعر زبدة ونسيانها لإسماعيل ورفضها لإبراهيم، كل هذا منطقي،االعجيب حقا  اختفاء إسماعيل من الصورة بمجرد ظهور عادل،هل نسى حبه؟ ألم يكن –دراميا- المفترض أن يعرض هو الزواج على زبدة؟ أو حتى نراه فى مشهد واحد يتحدث مع زبدة عن مشاعرها التي تغيرت؟ على العكس نراه يمثل ويرقص فى البروفات،ولا يجمعه مشهد واحد أو وحوار منفرد بمن أحبها!!! ألم نقل أن رحابة صدر المشاهد بلا حدود.
رغم أن الاستعراضات فى الفيلم تقدم دون ثراء كبير بالأزياء والاكسسوار والديكور،لكن مصدر الغنى جاء من الأبطال بخفة ظلهم وبحركات بسيطة استعراضيا تعني بتقديم حالة البهجة أكثر من العناية بتقديم استعراضات ضخمة.
لكن المشهد الفارق والذي يمكن أن ننسى الفيلم دون أن ننساه أبدا هو تقديم شخصية ريشه صاحب الحنطور الذي قام بدوره عبد المنعم مدبولي، يجلس ريشه وهو يشرب النبيذ الرخيص،يسكر ويغني ويرقص وحده،الأغنية التي يعرفها الناس ب:طيب يا صبر طيب،
 وهي التي قدمها مبدعوها: مرسي جميل عزيز وكمال الطويل ومدبولي وحسين كمال بإسم:زمان وكان ياما كان، ونضع حسين كمال بين صناع الأغنية لأن الأغنية حين نسمعها يصعب عدم تذكر مدبولي وهو يرقص فى الأسطبل ويجلس على الحنطور ويضرب بالكرباج فى الهواء وبحشرجة متعمدة فى الصوت كعجوز ثقل لسانه من أثر ثمالة الخمر والحزن،ونرى القنديل المعلق يهتز والكاميرا تتحرك حوله فى حرية وتصوره من زوايا مختلفة، وهو يشكو الزمان وغدره حين بارت مهنة عربجي الحنطور،
فالمشهد: تقديم شخصية، ذورة أزمة الشخصية،أغنية فلسفية عن الزمان وتحولاته،والمفارقة أن الأغنية والمشهد يعدان وجهة النظر المقابلة للفيلم ككل ومقولة المخرج الأخيرة،وأخيرا وليس آخرا تصويرا دراميا كأنه فيديو كليب بديع لأغنية قبل ظهور الفيديو الكليب وقبل انتشاره فى مصر،فالفيلم إنتاج 1976،ولاحظ أن كل هذا ونحن مع مخرج أمامه ممثل وحيد فى مكان واحد محدود،لكن الحيوية فى الإخراج والأداء التمثيلي والغنائي لمدبولي فى المشهد يجعل المشهد أيقونة فى ذاكرة المشاهد.
ورغم أي انتقاد فى سياق التحليل لكن بهجة الفيلم يليق بها أن نختتم وندندن مع "ريشه"فى أغنيته البديعة:
  يرحم زمان وليالي زمان
والناس يا متهنى يا فرحان
الدنيا كانت وردة وشمعة
ولسه ما اخترعوش أحزان!. 
***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 32 -أغسطس 2014 


الخوف /مكان للحب

$
0
0




الخوف /مكان للحب
وطن تحت التشطيب وحصار الخوف!
أشرف نصر

حين يفاجئك صديقك بتحفة كفيلم"الخوف"تبتهج وتحزن،البهجة من الفيلم،والحزن من عدم شهرته – كأفلام ترد للخاطر عند ذكر سعيد مروزق مثل زوجتي والكلب أو المذنبون-، ويغضبك ندرة عرضه على الشاشات، يُحرم المشاهد منه ليكابد بالغث المعروض- فهل هو اتفاق غير معلن وتوافق مصالح ضد كل ما هو جاد وصادق رغم مرور 42 سنة على عرضه-!،ثم تنشغل قليلا بحكاية الإسمين:الخوف أو مكان للحب،وربما تميل مثلي لإسم :الخوف لأنه الأقرب لروح الفيلم والأكثر التصاقا بموضوعه، ثم تترك كل هذه الأسئلة لتبدأ المتعة بالفيلم نفسه.
الحدوتة: أحمد"مصور"يعيش في بنسيون،يقابل فتاة ممن تم تهجيرهم من السويس بعد هزيمة 1967،تحدث بينهما علاقة حب، وفى جولتهما بالقاهرة يجدان عمارة "تحت الإنشاء أو التشطيب"فيصعدانها، فيها يتخيلان شقتهما، لكن حارس العمارة يصعد لهما،وتحدث مشاجرة بينه وبين أحمد"
حدوتة تبدو بسيطة،لكن الأهم من الحكاية،هو كيف تحكيها،وهو ما يقدمه سعيد مرزوق لنا بشكل يخلد فى الذاكرة،
الزمن هو العنصر الأول فى بناء الفيلم، ففي زمن الفيلم 1972 كانت هزيمة بشعة حلت بالمجتمع فدُمر نفسيا وعسكريا بعد أن تم احتلال أرضه، الفتاة التي قامت بدورها "سعاد حسني"لا يناديها أحمد "نور الشريف"بإسمها،بل بضمير المخاطب "أنتِ"أو الغائب "هي"،فقد حرص السيناريو ببراعة أن تكون فتاة عادية، تشبه كل فتيات جيلها،أو على الأقل من عانوا تجربتها من موت أسرتها فى العدوان الإسرائيلي على مصر، مهزومة،صوتها خفيض لا يعلو إلا مرة واحدة وهي تصرخ فى وجه أحمد،كي تحثه على مواجهة حارس العمارة وهي تعنفه أنه ليس مثلها فهو لا يحس بمأساة فقدان عائلته دفعة واحدة، بل هو شاب تشغله حاجاته الأساسية فقط، لاحظ ضحكات "نور الشريف"التي تبدو عصبية أكثر مما تبدو سعادة، وحيويته فى الحركة فى مقابل صمت"سعاد حسني"ونظراتها الحزينة وذلك "الانكسار"الذي يحيطها.
المخرج-وهو مؤلف الفيلم أيضا وشاركه مصطفى كامل فى السيناريو- يقوم ب"عجن"الخوف كمفهوم نفسي داخل شخصياته، فنحن نجدهما ضعيفين خاصة"سعاد"،مرتعبين من أن يتم ضبطهما رغم أنهما لم يمارسا الجنس أصلا، ولا فعلا أي خطيئة تستوجب العقاب المجتمعي،لكن الخوف من كلام الناس، ورمزية الحارس التي تشير للعدو المتربص:سياسيا واجتماعيا، جعلهما يحاولان الهرب من المواجهة، ولا تحدث المواجهة إلا بعد أن عرت "سعاد""أحمد"أمام نفسه.
لغة الصورة عند مروزق تتجسد فى الفيلم كما تجلت قبلها فى "زوجتي والكلب"، فهو يستغني عن الحوار بالنظرات بين الشخصيات ،الإيماءات،التصرفات،الصورة أو الكادر السينمائي بكل مكوناته،فنجد فى "الخوف"حينما يحكي أحمد لحبيبته عن البنسيون الذي يسكنه ويحكي عن زوج صاحبة البنسيون الراحل الذي كان يهوى الصيد والتحنيط،فينقلنا بالصور للحيوانات المحنطة مع أصوات من الغابة، فتخبره الحبيبة أنه مكان يثير الخوف،وحينما تتذكر ماضيها لا تقول الكثير، كل تاريخ الشخصية نراه فى صور،تفجير البيت، الجثث، والنيران،وعندما يرغب أن يخبرها أحمد عن عمله كمصور صحفي، نراه فى في المطبعة مباشرة، فالمخرج يؤمن بأن الصورة بألف كلمة،ويستخدم ذلك بسلاسة طوال الفيلم، فيما عدا أن أصوات الغابة مع جثث الحيوانات المحنطة على جدران البنسيون تكررت وطالت زمنيا على الشاشة،لكن يبدو أنه رغب فى طرح تنويعة من تنويعات الخوف،كي يصل ل"ماستر سين"وهو المواجهة بين أحمد وحارس العمارة،
يمزج سعيد مروزق فى السرد بين الأزمنة الثلاثة:الماضي والحاضر والمستقبل بشكل بارع ولنتوقف مثلا عند موقفين:أول مكالمة بين أحمد والفتاة"سعاد"، يبدأ فى الحاضر،هي فى بيت مغتربات وهو فى البنسيون، تبدأ المكالمة فى الحاضر،يتحدثان، وعند الحكي عن الماضي،نرى بيتها وهو يحترق،وأول دخول له للبنسيون،ويمتزج ذلك بالحاضر أثناء المكالمة،ثم وهما يتفقان على المكالمة القادمة، وأثناء استمرار الحوار بينهما فى الحاضر،نرى "فلاش فورود"لأحمد وهو فى العمل وينتظر المكالمة التالية، ثم هرولته ليصل للبنسيون حيث التليفون،ليواصل المخرج "تشبيك"الزمن فيصبح المستقبل فى المكالمة الأولى هو الحاضر حيث وصل أحمد واستطاع الرد على التليفون.
المثال الأبرز والمُبهر فى عملية تداخل الزمن هذه ومزجها أيضا بتداخل الأمكنة، أحمد وسعاد فى العمارة التي لم يتم "تشطيبها"، يجلسان على الرمل ويتخيلان شقتهما فى المستقبل بعد الزواج، فنجد الانتقال بين بيتها المهدم وبين العمارة وبين الشقة الجميلة التي من المفترض أن تصبح شقة الزوجية، وبين ماضي التدمير والقصف، وحاضر العمارة التي بُنيت ولم تكتمل، وبين مستقبل سعيد وهما يأكلان بسعادة كزوجين ويحاولان تدبير مصروفات البيت.
ويحرص لمنح فيلمه البعد السياسي أو اكمال ما يحدث حول العاشقين من خلفية العالم/المجتمع/الواقع المرير عبر قصاصات الجرائد الملقاة على الأرض التي بها قرارات الأمم المتحدة "التي بلا قيمة"، وأنباء الحرب، حتى يأتي "قتل"اللحظة العاطفية حين تسأل الحبيبة حبيبها عما يحتاجا من مال كل شهر لتدبير مصاريف الحياة، فيقرأ قصاصة بها رقم ميزانية أمريكا المخصص للحروب..وبصريا يختم "الفصل"بكادر بصري رائع يمزج فيه الواقع بالخيال وأحمد يغلق باب الشقة المتخيلة فنجد أنهما عادا للرمل والطوب والجدران العارية.
أخيرا تظل النهاية مثيرة للأسئلة حيث يواجه أحمد الحارس ويهزمه، ثم يحمل حبيبته فى اتجاه الشمس وأنشودة تتردد بنعومة، هل هي نهاية متصالحة،أم منطقية، أرى أنها وجهة نظر علينا احترامها، الأمر -أظنه- بعيدا حتى عن الضغوط المجتمعية أو الرقابية "بشعار"منح الناس الأمل،أن الحياة تحتمل الوجهين،وربما أثبتت حرب 73 صدق التفاؤل أو الأمل،الأهم حتى من الرؤية السياسية،هو حتمية أن نهزم الخوف داخلنا، حتى نحيا!
***
نُشر يمجلة أبيض وأسود
العدد 33- سبتمبر 2014


العودة والعصفور

$
0
0

العودة والعصفور
حكاية الغربة والسراب!
أشرف نصر
تأليف:محمد جلال عبد القوي
إخراج:هاني لاشين
بطولة:ميرفت أمين– صلاح السعدني
العصفور يخرج صباحا يسعى للرزق فى الفضاء الواسع لكنه لابد له أن يعود لعشه،هكذا جاءت الفكرة فى فيلمنا،رحلة "إيمان"و"منعم"من القاهرة للكويت والعودة،ما بعد الرحلة هو الأهم لأنها لم تكن رحلة عادية،إنها القصة المؤلمة للشعب المصري الذي ارتحل بعد قرون من الالتصاق بضفاف النيل،وذهب منذ السبعينات إلى ربوع الأرض،خاصة إلى الخليج بحثا عما يسمى "الحياة الكريمة"،قدمت العديد من الأعمال عن تلك "الهجرة"–ربما أعذبها،أعمقها،وأكثرها إثارة للألم فيلمي "عرق البلح"و"عودة مواطن"- ولكن الحقيقة ان لفظ "هجرة"الذي استخدم كثيرا منذ العام 1974 ليس دقيقا،فالمصري كائن موسوس ببلده،غالبا لا يهاجر بل يذهب ويعود ولذا لفظ الرحلة– مهما طالت –هو الأدق،لذا نلاحظ أن ما بعد العودة هي هاجس أفلامنا،وفكرة العودة والتحولات التي جرت لتلك الشخصيات هي "مربط الفرس"أكثر من البحث عن تفاصيل الحياة فى الغربة.
الأبرز فى "العودة والعصفور"هو سلاسة البناء وأسلوب الحكي،فالفيلم "يضفر"بين زمني الحاضر والماضي منتقلا بينهما لطرح عالمه الفيلمي،يبدأ المخرج بلقطات تسجيلية "بديعة"ومؤلمة حيث نجد المصريين قد عادوا وكل ما يحملونه أجهزة كاسيت ومراوح و"حبه هلاهيل/ثيابهم"،وهموم"طفحت"على الوجوه لا تظهر الفرحة بالعودة،بل الألم مما جرى.
 بطلي فيلمنا "إيمان ومنعم"وجدوا أنفسهم كغيرهم لم يكسبوا سوى تلك "الهلاهيل"وشقة خاوية فى مدينة تكاد تكون مهجورة – كانت مدينة 6 اكتوبر هكذا فى زمن صناعة الفيلم-ولكن الأهم أنهما خسرا قصة حبهما الرقيقة.
ويكون البناء بين ذهابهما للسويس لإستلام محتويات شقة الغربة وهما لا يحتملان بعضهما البعض وقد انتويا الطلاق،وبين قصة الحب التي جمعتهما فى الماضي،
نرى فى النصف الأول من الفيلم وجهة نظر"إيمان"ثم ينقل فى النصف الثاني وجهة نظر "منعم"،وحين تكتمل الصورة فى النهاية،سنعرف أنه لا ظالم ولا مظلوم فى تلك "المأساة المعاصرة"بل هي ظروف وطن جعل شابة ضحت بتلك التقاليد الزائفة من عفش وشقة وفرح الخ وشاب ضحى حتى بالبيانو/ميراثه الوحيد عن والده من أجل الحب والزواج،
لكن الثمن هو سر المأساة،فزهرة الشباب ضاعت فى الغربة وحتى محتويات الشقة – تلك الأشياء الإستهلاكية التي استعبدتنا جميعا خلال مشوارنا بدلا من أن تمنحنا الراحة – تلك المحتويات ضاعت كالسراب بسبب احتلال العراق للكويت.
وربما –بسبب القيود والظروف السياسية ولأن الفيلم إنتاج التليفزيون- لم تذكر العراق صراحة وإحتلال صدام للكويت-..بل إشارات "لما جري"وجملة مثل:بكره الكويت ترجع لأهلها!
  الخلفية السياسية البعيدة تظلل من بعيد حياة شخصيات الطبقة المتوسطة وتفاصيل الحياة الأسرية والحوار الواقعي والأغاني من الكاسيت أو عزف منعم مع إيمان على البيانو،لطرح موضوع الفيلم وحكايته ببساطة آسرة،
والمخرج يجعل من تفاصيله الصغيرة ثالث "إيمان ومنعم"فنحن نرتبط بالبيانو ودبل الخطوبة /الزواج الموضوعة على "تابلوه"السيارة،وفى واحد من أجمل مشاهد الفيلم:الدبل تهتزعلى التابلوه بعد أن خلعتها إيمان وتبعها منعم نسمع موسيقى"يا دبلة الخطوبة"بتوزيع موسيقي حزين ثم يتضح أنها نقلة صوتية للمشهد التالي ، حيث يتغير فقط التوزيع الموسيقي فنجد فى الماضي حفل الزواج ..ومن إنفجار بسبب دخول قوات صدام لإنفجار عجلة السيارة، ومثلها تدريبات إيمان للبنات على أغنية "وطني الأكبر"أو غناءها مع منعم أغنيتهما الأثيرة "أنا لك على طول"لعبد الحليم ..ومن الدروس الخصوصية لشقيق منعم لمنطق حياة البطلين: هل صفر+صفر تكون النتيجة صفر أم صفرين –كتلاعب لفظي بلاغي حول محصلة حياتهم-.
أما مشهد النهاية فالغريب أنه بدا فقيرا بصريا من المخرج حيث لا نرى سوى سائق العربة بجوار عجلة السيارة النقل،وحواره مع إيمان ومنعم ثم حوارهما بجوار البحر وقد قررا العودة لحبهما بدلا من الجري وراء المادة،فالمخرج ركز على الحوار دون الصورة ولا التفاصيل التي "لعب"عليها طوال الفيلم..أزمة المشهد – في رأيي- جاءت من السيناريو فالمؤلف تخلى فيه عن أبرز ما لديه من أدوات أي مهارته فى تقديم حكايته من خلال الحياة اليومية والحوار الواقعي ذو الدلالات، وعند مشهد النهاية –المفترض أنه الأهم – قدم  حوار مسرحيا خطابيا مباشرا عن العروبة والأحلام..والأغرب أن البدايات المبشرة ثم فجأة التحول للخطب والنطق بلسان المؤلف لا الشخصيات،صار سمة فى أعمال المؤلف فيما بعد فى مسلسلاته التليفزيونية!
ولكن يبقى فى العودة والعصفور بما فعله صناعه قيمته،ببساطته،وتفاصيله وأداء بطليه،خاصة فى حياتهما فى شقتهما بالكويت حيث المحبة والمودة والشهوة – التي قدمت برومانسية تناسب أسلوب الفيلم- وأخيرا ودائما: كل تلك المشاعر تختلط بالتعب "والشقا"!
***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 34 -أكتوبر 2014

على من نطلق الرصاص

$
0
0



"على من نطلق الرصاص"
السياسي والعاطفي والاجتماعي
كلها دروب لطريق واحد
أشرف نصر
تأليف:رأفت الميهي
إخراج:كمال الشيخ
بطولة:سعاد حسني-محمود ياسين-مجدي وهبة
فى واحدة من أبرع بدايات الأفلام أو"نقطة الهجوم"الدرامية،شاب يدخل لمقر شركة ويطلب مقابلة رئيس مجلس ادارتها،الشاب ينتظر قليلا،ثم يدخل دون إذن لمكتب الرجل المهم، لحظات والكاميرا فى مكتب السكرتيرة نسمع بداخل مكتب رئيس مجلس الإدارة صوت رصاص،وفى المكتب الشاب يطلق النار على رئيس مجلس الإدارة،تسود الفوضى فى الشركة،الشاب يهرب وأثناء هرولته بالخارج تصدمه سيارة،،نعرف معلومة صغيرة من السكرتيرة للمحقق أن المجنى عليه لا يعرف الجاني،لنعود أمام الشركة فنجد الجاني والمجني عليه ينقلان معا فى سيارة إسعاف واحدة!
تقديم ذلك فى لقطات ومشاهد مكثفة،وتركيز من المخرج على وجوه الجميع لنقل المشاعر المتضاربة وسارينة سيارة الإسعاف –وزمنيا فى وضح النهار- وبإيقاع سريع لاهث لتأتي بعدها تترات الفيلم،، فندرك أن كاتبا كرأفت الميهي ومع مخرج بحجم كمال الشيخ قد نجحا فى وضع الطعم لنا،سوف نلتصق بالمقاعد ولن نغفل أو نحس بلحظة ملل،بل أسئلة لا أول لها ولا آخر،ما الحكاية؟من هؤلاء؟لماذا؟الخ
نحن إذن أمام فيلم بوليسي يعتمد على تكنيك التحقيق لتكشف الحقائق،لذا كل تفصيلة صغيرة ستدلنا على الحقيقة،ومن خبرات المشاهدة ندرك أن كل المعلومات التي تظهر أولا سيتم التشكيك بها لاحقا لصالح الحقائق فيما بعد،وعلينا الانتظار والانتباه بدقة لنصل للنهاية التي ستحل اللغز،الفيلم البوليسي وتكنيك التحقيق هو نوع فيلمي جاذب جماهيريا دائما.لكن الأهم هو تحميل ذلك الشكل التجاري لمضمون فني وسياسي وانساني ومن قبل ومن بعد مضمون سينمائي يليق بصناعه –الميهي والشيخ ونجوم الفيلم فى مرحلة نضجهم-فالفيلم إنتاج منتصف السبعينات.
البناء السردي يقوم هنا كتابة واخراجا على فكرة أبعاد الصورة المتعددة،كل مشهد محتشد بالتفاصيل المكملة للصورة الأشمل والتي لا يعرفها سوى المشاهد –الذي يصبح بمثابة القاضي العادل للحكم على هذه القضية-،يبدأ المشهد من نقطة ويعرض فى منتصفه معلومة ويصل لخاتمة،ويتحرك المخرج بالكاميرا على وجوه شخوصه فنكتشف أن لكل منهم موقفه المختلف أو زاويته لمحتوى المشهد.فمثلا أول مشهد لظهور تهاني زوجة المجني عليه رشدي سوف تقابل زوجة الجاني وبينهما يقف الضابط،زوجتان لكل منهما زوج فى غرفة مختلفة ولكل منهما زاويتها فى رؤية ما جرى فى الحادث ويقف الضابط يراقب الجميع ليكون عيننا التي نكتشف بها الحقائق،
من خلال الضابط نشاهد مصطفى "الجاني- كوصف قانوني وليس انسانيا كما ندرك بعدها"من قيادات الحركة الطلابية فى السبعينات "ذلك الجيل النبيل الممزق"الذي تظاهر مطالبا بمعرفة المتسبب الحقيقي فى هزيمة 67 ولم يلق إلا التعذيب والتشريد والخراب النفسي جراء حب وطنه!وبهذه اللقطات القصيرة زمنيا،انتقلت القصة بنا لأبعاد سياسية ويقدمها المخرج بذكاء فى لقطات أبيض وأسود لبطله مصطفى وهو يتظاهر والشرطة تضربه ويغزلها بلقطات أرشيفية لمظاهرات 68 الشهيرة.وتنتبه حواسنا أكثر حين نعلم أن رشدي رئيس مجلس الإدارة هذا له علاقة بكارثة المساكن التي تهدمت على الفقراء.
وحين تدخل الحكاية بعدها الثالث أو العاطفي حين ندرك أن "الجاني"مصطفى يعرف تهاني زوجة "المجني عليه"،لم نعد لمثلث الزوج والزوجة والعشيق،بل ما هو أجمل واثرى دراميا، فنعرف من خلال التحقيق عن أن مصطفى وتهاني أصدقاء بدأت وماتت بينهما قصة حب خلال خطبتها لسامي "مهندس"صديق لمصطفى،وسامي هذا هو من تم تقديمه ككبش فداء فى كارثة المساكن على يد من أصبح زوجها،
كل تلك الحكايات المتداخلة مغزولة بعناية شديدة فى السيناريو،والمخرج يقدم مشاهده بالطريقة المشار لها سابقا،معظم المشاهد تحوي عدة شخصيات وفى الانتقالات بين تصرفاتهم وانفعالاتهم وباستخدام الموسيقى ،وكسر الحوارات الطويلة بلقطات"انسرت شووت"لانهيار المساكن مثلا.
والمخرج الذي بدأ حياته مونتيرا،وقدم كل هذه الأفلام البارعة فى تصوير مشاهد الشارع-راجع مثلا حياة أو موت-سنجده هنا يقدم ب"سلاسة الخبرة"مشاهد علاقة تهاني وخطيبها سامي وصديقهما مصطفى بجوار نيل القاهرة،حيث بهجة الشباب أثناء المشى على الأقدام وخلفهم العمارات والفنادق الغالية،أو وهي تريد التصوير بجوار سيارة فارهة،ثم الانتقال فيما بعد لمشهد لقاء مصطفى بتهاني بعد موت سامي،هذه المرة يبدأ المشهد بالسيارة الغالية وقد تغير ماكياجها وملابسها بعد أن تزوجت الثري رشدي رئيس مجلس الإدارة،وهذه المرة لن يكون الشارع مصدر الفرح بل مكان مقفر قبيح حيث يتواجهان بأزمة جيل!
هذه المرة سندرك تحول الشخصيات:مصطفى الممتلئ بالصحة وقوة الرأي صار عصبيا مريضا نفسيا مرتبك المشاعر،وتهاني الجميلة الحيوية المبتهجة ضاع بريقها رغم ثراءها الآن، وفى ذكاء شديد يتم تقسيم المشهد على مشهدين،النصف الأول تحكيه للضابط وكأنه عتاب صديق لصديقته والعكس على اختلاف دروب الحياة واختيارات الزواج،ثم تتذكر وحدها بقية المشهد بعد خروج الضابط من المكتب لنرى مصارحة مصطفى لتهاني بحبه الذي كتمه بداخله مراعاة لصديقه بينما هي تزوجت بمن قتله فى السجن،
تعود تهاني للبيت فنرى اخراجيا الشارع كصور غائمة بجوار السيارة ودموعها تنزل،فلم يعد هذا شارع الجيل الحالم!بل ستصل لبيت زوجها الثري الذي يرى أن كل كلام مصطفى جزء من حقد الحاقدين ومؤامرة على الناجحين مثله من المسؤولين فى الحكومة.
يصل التقدير –عندي- لمداه لرؤية الفيلم مع نهايته غير المتصالحة بل الكاشفة،فحتى الضابط تصله أوامر بالتمهل قبل فتح القضية الأكبر التي هي أكبر من تهاني ومصطفى وسامي وغيرهم، قضية الفساد الذي ينخر الوطن ويعد رشدي مجرد حلقة فيه،لن يخدر الفيلم متلقيه عبر "التطهير الدرامي"،بل النهج التحريضي هو الأساس،عليه أن يفكر جيدا فى اسم الفيلم وما شاهده،على من نطلق الرصاص،والجميل أنه بلا علامة استفهام،لأنه ليس سؤالا بل كأنه دعوة للانتقام ممن سلبوا هذا الوطن مقدراته،والأبرع فكريا أن الحل الفردي لا يفلح،فمصطفى تطيش رصاصاته كأنه سعيد مهران آخر،فالرصاص لن يصل لهدفه إلى حين نعود للمرة الألف للعنوان وهذه المرة لكلمة "نطلق"وليس "اطلق"..فالحل يجب أن يكون جماعيا!
 ***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 35 نوفمبر 2014

فيلم ثلاث قصص

$
0
0

  فيلم ثلاث قصص..
ثلاثة من دوائر حياة الإنسان
 أشرف نصر
  ربما مشاهدة فيلم:ثلاث قصص(دنيا الله- 5 ساعات - إفلاس خاطبة)وهو إنتاج 1968،فى عامنا هذا تثير
 الشجن على أحوال السينما المصرية الآن فبدلا من البناء على مغامرات وانفتاح الرواد ومواكبتهم الدائمة لتجارب السينما العالمية،تضع السينما المصرية نفسها الآن فى أضيق "مربع"من "مربعات"هذا الفن،على أي حال،عبر تاريخ الفن السابع سنجد العشرات من هذه التجارب مصريا –قديما- وعالميا –دائما- لتقديم عدة أفلام قصيرة فى فيلم واحد –ولكل فيلم قصير مخرج وفريق عمل مختلف- يجمع بينها فى الفيلم الطويل رابط مشترك،وهي ميزة تبرز ما يشبه التنويعات على لحن واحد،وفى فيلمنا،نبحر فى قارب مصنوع من خشب القصة القصيرة،من خلال ثلاثة من قصص"آباء"الأدب فى مصر. - دنياالله: قصة:نجيب محفوظ-سيناريو:عبد الرحمن فهمي-إخراج:إبراهيم الصحن بطولة:صلاح منصور–ناهد شريف -5 ساعات:قصة: يوسف إدريس-سيناريو:بكر الشرقاوي-إخراج: حسين رضا بطولة:رشوان توفيق–نادية لطفي -إفلاس خاطبة:قصة:يحيى حقي-سيناريو:إسماعيل القاضي-محمد نبيه-إخراج: محمد نبيه وبطولة:سميحة أيوب-عبد المنعم إبراهيم البداية فى فيلم"دنيا الله"تضعنا مع الشخصية الرئيسية مباشرة وهو العم إبراهيم –الساعي فى مصلحة حكومية-وعبر لغة الصورة،ودون حوار،سنفهم هامشيته فى المكان،والعلاقة المتنافرة بينه وبين المكان،وبينه وبين شخوصه، فهو يوزع الملفات على موظفين مشغولين، كل فى عالمه،بين من يتحدث فى التليفون ومن يثرثر مع صديقه،ومن ينظر لفتاة تقف فى بناية مقابلة للمصلحة وهو يغازلها بالإشارات،والعجوز عم إبراهيم هو كم مهمل،ينظر له الجميع بضيق أو عدم اهتمام، ثم فى مشهد ثان هو فى المقهي وبائعة اليانصيب تمر على الطاولات حتى يهمس لها –زبون دعارة- فتذهب معه وهو يعد النقود،وثالثا عم إبراهيم فى بيته يأكل مع زوجتة فى غرفة بائسة وزوجة عجوز تقاربه فى سن الستين،ولا يبدأ الحوار إلا بعد الحلم ب"ياسمينة"بائعة اليانصيب والنطق بإسمها،نحن إذن أمام تلخيص لتاريخ شخصية فى مشاهد قليلة،ولب أزمتها ومحور الحكاية،ومن جمال وأساسيات فن السينما،أو فلنقل امكانات توفرت عن فن القصة القصيرة أو الرواية أو غيرهما،أنها تستطيع تلخيص عشرات الصفحات فى الوصف بكادر واحد،وهو ما حدث هنا لو عدنا لقصة نجيب محفوظ،وقارناها بالفيلم،ولا نتحدث عن تفضيل لفن عن غيره،وإنما أدوات مختلفة فى كل منهما،عم إبراهيم الذي ضاع عمره هكذا،نجده فيما بعد يتولى قبض مرتبات الموظفين،اولئك الذين لا يحسون به،بين المتزوج من ثرية،أو"العايق"أو غيرهما،وتنقلب حياتهم بسبب عدم عودته، فمرتب الشهر اختفى معه، من جمال الفيلم سنجده فى نقطة التحول الدرامي فى الحدث،نقلنا فى تكثيف من فعل "لم نره"لرد الفعل مباشرة،بمعنى أننا نجد عم إبراهيم عائد ومعه مرتبات الموظفين،وهو فى الشارع يقف أمام احدي الفتارين،حيث يرى بذلة فى واجهة المحل،ثم القطع مباشرة عليه فى تاكسي وهو مرتديا للبذلة ويشير لبائعة اليانصيب "ياسمينة"فتركب معه ويتحرك التاكسي. الحدوتة فى مستواها الواقعي سنجدها تكمل مغامرة العجوز،الذي لا يرغب سوى فى سرقة أيام متعة قبل انتهاء العمر،فيذهب للاسكندرية ومعه الفتاة الجميلة،ورغم الضيق والخوف من الشرطة لكنه ينجح فى سرقة بعض المتعة،حتى تنتهي النقود،ويتغير الحال بالفتاة التي تنقلب عليه حين تدرك بسرقته للمال،وحتى نهاية المغامرة بالنهاية الواقعية بالقبض عليه،لكن لأن نجيب محفوظ عودنا على تعدد المستويات بين الواقعي والفلسفي فى قصصه ورواياته،يليق الفيلم باستيعاب معاني القصة فى بعدها الفلسفي،حول معنى حياة الانسان فى دنيا الله،وأزمته بين الإلتزام بالطريق القويم وبين الرغبات التي تفتك بالانسان،سنجد أزمة الشخصية "إبراهيم"ورغبته الوحيدة فى اقتناص ما ضاع من متع ،ومع حس أخلاقي بل ويمكن القول أنه ديني – زيارة المرسي أبو العباس،وابتهاله الأخير لله أن يغفر زلته- ونبل الشخصية يتجلى طوال الفيلم،فحتى حين سرق المرتبات أرسل راتب الموظف الوحيد صاحب العائلة المديون،وأرسل مرتبه لزوجته الفقيرة،وفى مغامرته بالإسكندرية سنجده يعامل الفتاة كسيدة مجتمع لتستمتع بما سلبه منها الفقر،وصدمته حين حاولت سرقته بأنه يريد اعطائها المال فى نهاية الرحلة، وفى مشهد الذروة والمصارحة بين العجوز وياسمينة سنجد زوايا التصوير من أسفل وهما جالسان على الأرض ويسكران،والإضاءة الخافتة والسرير كقضبان تحاصرهما،ومثلما قدم الفيلم الشخصية فى البداية بلغة الصورة ومشهد الذروة مستغلا الصورة والحوار ومكونات الكادر من تصوير وموسيقى وإضاءة وتمثيل الخ ينقلنا فى أجمل مشاهد الفيلم القصير- والطويل معا-  لمشهد حلم لعم إبراهيم وهو يرى نفسه انقسم ثلاثة كل منهم فى مكان،وهو يزحف تجاه ياسمينه وتزحف نحوه،ليأتي مشهد الابتهال فى مسجد المرسي أبو العباس والقبض عليه بعدها،فالعم إبراهيم الطيب لم يأخذ من دنيا الله سوى أيام خاطفة عكرها الخوف والمتاعب وخرج من دنياه كما دخلها، هامشيا،حزينا. أما القصة الثانية "5 ساعات"نجدها تركز على الحدث،فالموقف هو البطل وليس الشخصية كالفيلم السابق،ففى بداية مشوقة نحن أمام تربص وإطلاق رصاص على ضابط أمام بيته، ويقذف بنا الفيلم فورا للحدث عند وصوله للمستشفى فنعرف فى حوار خاطف،أننا أمام 5 ساعات مصيرية هي وقت الجراحة،لا وقت هنا سوى لأزمة الفيلم :الضمير المهني والانساني فى مواجهة قهر السلطة،فالهم السياسي هو موضوع الفيلم والقصة بعد أن كان الهم الوجودي فى القصة الأولى،فالضابط المصاب من الضباط الثائرين على نظام الملك،والبوليس السياسي يريد من الطبيب قتله بإهمال الجراحة،وتركه ينزف، لكن الطبيب وفريق العمل يخوضون المغامرة بشرف رغم أن النتيجة هي موت الضابط  بشكل قدري المهم هو تأدية واجبهم والدخول للسجن ثمنا لتأدية الواجب. سنلاحظ أن الفيلم ينسجم مع التوجهات السياسية للنظام الحاكم وقتها،لكن ما يهمنا أكثر من الجدل السياسي هو البناء التشويقي فى إجراء الجراحة واستغلال المكان والإضاءة والإيقاع السريع،ورسم ملمح بارز للشخصيات فلا يمكن نسيان دور طبيب التخدير"حمدي أحمد"الساخر المعتاد على المعتقلات،والخبير بنوعية السلطة الحاكمة والذي يضع الجراح"د.إبراهيم"أمام مسؤوليته الأخلاقية مباشرة أن يخاف أو يتعامل بنزاهة ويتحمل تبعات قراره،ويكون منطقيا أن نجد بصريا فى آخر لقطات الفيلم "كادر مقلوب"للبيوت كعلامة بصرية "وإن كانت مباشرة"لخلل النظام. أما القصة الثالثة:إفلاس خاطبة سنجدنا رغم البداية الكوميدية "الفارس"للبطل "فواز"وهو يقع من على السرير ويتعثر فى السجادة وينسكب عليه اللبن فى المطبخ ويجلس على إبرة الخياطة،وهي بداية من أسهل وسائل الإضحاك للمتعة الخالية من أي فكرة ورائها،سنشعر بإحباط بعض الشيء،لأن موقع "إفلاس خاطبة"هو الثالث وبعد شحنة فنية ومعنوية كبيرة،وربما كان فى الأمر من زاوية أخرى "ريليف/ اراحة"لأعصاب المشاهد بعد الهم الوجودي والهم السياسي لنصل لهم اجتماعي،ففواز يريد الزواج ويبحث عن شريكة العمر عبر الخاطبة "بديعة"،ترتقي الكوميديا بعد البداية "الفارس"لكوميديا الأنماط الاجتماعية، حيث نجد الأب الذي يدعي التدين ويضع شروطه على العريس المنتظر هو مجرد مقامر،والعائلة الشعبية تدعي أنها من طبقة أرقي،حتى نصل لفتاة عصرية ترفض منطق الزواج التقليدي وتضع فواز أمام مسؤوليته فى أنه يجب أن يختار هو رفيقة حياته عبر العقل والحب –فى دور شبيه لدور طبيب التخدير فى الفيلم السابق- فيصل فواز لقراره بالزواج من الخاطبة. الفيلم الخفيف-وليس فى التوصيف حكم قيمة-هو آخر الأفلام أو النقطة التي فى نهاية الجملة لنعود للفيلم "ثلاث قصص"ككل،فنرى القصص الثلاثة تنسجم حول أمر هام جدا وهو فكرة القرار.قرار إبراهيم الساعي العجوز أن يحيا،وقرار الطبيب إبراهيم أن يقدم الواجب الوطني والأخلاقي على أي مخاطر وقرار فواز بأن يختار من يتزوجها.فلابد من إمتلاك الإرادة واتخاذ القرار كي نتحرك فى دوائر الحياة كما نحب.  
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 36 ديسمبر 2014

فيلم حب إلى الأبد

$
0
0

فيلم حب إلى الأبد..
 حب وتضيحة ومواعظ !
 أشرف نصر

شاب يقوم بدوره الفنان أحمد رمزي يضرب رجلا ضربة قوية، يقع الرجل فتصرخ شابة تقوم بدورها
الفنانة نادية لطفي، هذا هو مشهد ما قبل التترات ومع نزول تترات فيلم "حب إلى الأبد"تكون التخمينات قد سارت فى طريق الفيلم البوليسي وتكنيك التشويق،خاصة والتترات تنزل والبطل "أحمد رمزي"يهرول فى شوارع القاهرة ويتوقف لحظات أمام دار القضاء العالي،لكن التخمينات لن تكون صحيحة مع النوع الفيلمي فالفيلم لا بوليسي ولا يسعى لتشويق المتلقي،الفيلم دراما اجتماعية لها صيغة ميلودراما الأربعينات العاطفية الشهيرة فى السينما المصرية حول الثري الشاب النقي وحبه لفتاة دفعتها الظروف للعمل فى الكباريهات!مع مواجهة ضرورية مع الباشا والذي استبدل هنا بالأخ الأكبر المحامي الشهير،وطبعا فى النهاية موعظة أخلاقية !كل ما ينقصه عن ميلودراما الأربعينات تلك هو الأغاني التي يؤديها مطرب شهير أو مطربة محبوبة! فالفيلم الذي كتب له السيناريو:وجيه نجيب،والحوار: محمد أبو يوسف،وأخرجه يوسف شاهين ! سنجد  الشاب "أشرف – أحمد رمزي"القاتل مثقل بالاحساس بالذنب، حتى يصل لشقيقه "محمود-محمود المليجي"الشقيق الأكبر المحامي الشهير والمرشح للبرلمان، من الطبيعي أن يشعر محمود بالعار والخوف على مكانته مما فعله الطائش "أشرف"من جريمة ستدمر مستقبله، ويسير الفيلم بين قصة القتل وأسبابها ونتائجها وبين محاولات "محمود"لحماية نفسه بل وتدمير من يقف فى طريق مستقبله السياسي ولو كان على حساب سعادة وحياة شقيقه. وحسب المفاهيم التقليدية سر الحكاية عند المرأة التي ظهرت بجانب أشرف عند الجريمة، فتش عن المرأة كما تقول المقولة الفرنسية، لقد تخلص أشرف من زوج السيدة لأنه يحبها، الأمر هنا أمام مثلث الزوج والزوجة والعشيق، عبر تنويعة أن الزوج هنا مجرم هو من دفع الشابة للانحلال الأخلاقي و"رد سجون"بينما هي نقية لم يدفعها سوى الظروف للكباريهات بعد أن كانت تعمل فى شركة محترمة ! فيلم "حب إلى الأبد"فيلم أبيض وأسود ليس لأنه كذلك فعليا لظروف التكنولوجيا، حيث لم تكن السينما قد وصلت لإختراع الألوان، فالفيلم إنتاج 1959، لكن المقصود أنه أبيض وأسود فى كل شيء، شديد الوضوح فى ملائكية أشرف وشيطانية محمود، حتى الشخصية التي تتعرض لانتقالات عنيفة وهي شخصية آمال ،لم يتوقف عندها الفيلم كثيرا أو يحاول تحليلها خاصة ونحن نراها أكثر الشخصيات التي من المفترض أنها تعرضت لتغيرات من زوجة لحبيبة ومن موظفة لفتاة كباريهات ومن حبيبة للوصول لاعترافها أمام البوليس لتخليص محبوبها ثم انتحارها..لكن الفيلم يركز أكثر على الشقيقين أشرف ومحمود وهي مجرد مكمل للحكاية مثل شخصية نادية جارتهما فى الريف (يريد محمود الزواج منها وهي تحب أشرف) ..حتى عند معرفة الجارة بحب أشرف لآمال لا يظهر أي رد فعل للشخصية ..وإنما المهم والرئيسي لدى صناع الفيلم أن أشرف شاب طيب مخلص مستعد للتضحية فى سبيل من يحب، بينما محمود أناني كذاب يحاول التلاعب بالجميع من أجل صورته ومركزه فى المجتمع. ومن المشاهد البصرية الجيدة مشهد ركوب الخيل حيث يهرول محمود بحصانه ويحاول أشرف اللحاق به لكن لا يقدر ويسقط ويتركه محمود وهو يلقى عليه نظرة ساخرة، ففى المشهد وضع تصور حركي وبصري يوضح موازين القوى فى الصراع القائم عليه الفيلم ..لكن المحاولات عادت لطرق تقليدية مرة أخرى مثل استخدام مؤاثرات البرق والرعد عند فتاة الكباريهات بينما فى الريف ستجد الجو صحوا وجميلا يصلح لركوب الخيل دون مطر أو شتاء قارس كما يظهر فى مشاهد نادية..لا أقصد الطقس تحديدا بل أسلوب الفيلم ففكرة الرعد والبرق والفتاة عند السقوط الأخلاقي صور معتادة ومكررة . ربما سنجد هنا أحمد رمزي فى المرات القليلة فى تاريخه يتخلى عن دور الولد الشقى الدونجوان ليمثل، خاصة والشخصية لا تسعى لإظهار الحب قدر ما تسعى لاظهار سذاجته فى البداية والتضيحة بكل شيء فى سبيل من يحب ثم تكشف الحقائق والمواجهة مع شقيقه،وفى مقابل ذلك قدم المليجي دور الشرير المعتاد منه المتلاعب بالجميع والذي يظهر غير ما يبطن، وسنجد فى مشهد "مسرحي-نكرر مناسب للتيار السائد وقتها- "مواجهتهما أمام الناس وهو يفضحه فى خطابية مباشرة وكلام عن الشرف والحقيقة التي يجب أن تظهر للناس ، بل نسمع"مقولة""الفيلم الختامية "بمباشرة"تليق بالفيلم وطبيعته-: إنما الأعمال بالنيات! ربما وحده تاريخ انتاج الفيلم يفسر لنا لماذا نرى اسم يوسف شاهين على الفيلم –الذي لا يعيبه مجارته للتيار السائد- لكن يثير الاندهاش كونه من إخراج مخرج عُرف منذ أول أفلامه بالسعى وراء التجريب والتجديد والتمرد على الصيغ المألوفة فى السينما بكل عناصرها وأولها السيناريو وليس آخرها الإخراج، لقد جاء فيلم "حب إلى الأبد"بعد "باب الحديد"مباشرة، وحين نسمع اليوم ونحن فى ظروف مختلفة تماما عما حدث من هجوم وإحباط للمخرج بعد تجربة بأهمية باب الحديد، ربما نلتمس الأعذار ونعرف أن بعض المحطات ولو كانت عادية وغير ملهمة لكنها لابد من المرور بها للوصول للمحطات الأهم فى الرحلة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 37 يناير 2015

عذرا

$
0
0

عذرا، لن اخرج هذا الصباح
 ليس لمرض،
فصحتي كالحصان،
 اسرعوا بلمس الخشب
ولا لكسل، لا سمح الله
 بل لأن  الله سمح
أن تتسخ ابتسامتي
ولم اشتر بعد
مجفف الابتسامات
عذرا اني فقير
اهئ، اهئ 
الى اخر اصوات النهنهة
لا ، لا تخافوا
لا اريد الاقتراض
 لكن كل ثروتي
تلك الابتسامة المعلقة على الحبل
 وقلب صغير
 رغم كل مرات الكسر
ينبض بوم، بو،
_ __
ها قد غاب النبض
ولا حاجة لخروج أو دخول
  فما أكرمك، يا الله
اراحني، واراحكم
 من القلب الروبابيكيا
وسترثون
الابتسامة،
 فلا تبددوها !

25-2-2015

الطوق والاسورة ..النار هي الاصل !

$
0
0


الطوق والاسورة
النار هي الاصل !
أشرف نصر

لم يذهب خيري بشارة إلى قرية الكرنك بالأقصر، حاملا الكاميرا ليصور، بل ذهب فاتحا نوافذ القلب أولا ليحس قبل أن"يعبر "ومرتشفا كالنحل بعقله وعيونه "ليجسد"مستخلصا عصارة القرية،وناسها، فى تجربة كهذه يشعرك المخرج بحرارة الشمس وصهد القيالة وراحة الطوب اللبن فى البيوت، غبار  الشارع ووحشته وحنان نسيم الأمسيات العابر على شخوص مهما قست الحياة عليهم ، يريدون الحق الأول بين كل الحقوق، حق الحياة،
،،فى البدء كانت الكلمة ، والشرارة من نص أدبي كتبه البديع يحيى الطاهر عبد الله، "الطاهر "يحيى "هذا هب على العالم كعاصفة حلوة حاملا  شفاهية الأهل فى مواجهة تقاليد الكتابية المنقولة من الغرب فى فن السرد، قصة ورواية ، حاملا تراثا لا ينضب من الحكايات جمعه من تراث الأجداد العرب فى  ألف ليلة وليلة وغيرها ممزوجا بحكايات الجدات من الصعيد، ورفاق الدرب ممن تصعلك معهم فى دروب العاصمة،،جمع كل هذا وغزله وحكاه شفاهه لمعاصريه على المقاهي وكتابة لنا تحمل عنفوان وتدفق تلك الشفاهية، فأجمل لحظات القراءة لنصوصه تأتي ونحن نتلوها بصوت مرتفع ! كتب المخرج النص السينمائي بمشاركة يحيى عزمي، وعبد الرحمن الأبنودي ، والأول أستاذ أكاديمي كبير بأكاديمية الفنون استفاد منه خاصة طلاب السيناريو والإخراج، والثاني أحد أساتذة الشعر العامي وايضا رفيق درب ليحيى الطاهر فى رحلته السريعة زمنيا /الطويلة أثرا وتأثيرا. ،جاءت الكتابة من الأربعة  الأديب ، المخرج، السيناريست، والشاعر عن شخوص قرية الكرنك وجسدها : شريهان وفردوس عبد الحميد  وعزت العلايلي وأحمد عبد العزيز وعبد الله محمود ومحمد منير ، 
لن نكون أمام  علاقة تعلي من عنصر  الزمن وتجعله حاكما للمكان كالمومياء مثلا، بل أمام علاقة المكان بالشخصيات ، وأثر المكان الثقيل الوطء على تلك الشخصيات حتى أن الزمن يبهت ولا يصبح إلا أرقاما تتوالى ، والمأساة مستمرة ولو فى تكرار لشخوص آخرين ، يحفرون جدراية من لحم ودم لبشر نسيتهم الدولة والعالم وتحت رحي الظروف يكابدون رعب احتمال نسيان السماء لهم ولمأساتهم..هنا حزينة وبخيت البشاري ونسلهم وجيرانهم البؤساء مورس عليهم قهر العادات والقيود المجتمعية وفى سلسة القهر المستمر يمارسونه حتى على أنفسهم، كل ذلك بفعل قوى وقيود غير مرئية كأنه صراع الانسان ضد القدر فى تراجيديا يونانية نبيلة ومؤلمة، اخطر  واقسى انواع الصراع هو ما يكون ضد قوى مجردة وأفكار وعادات وتقاليد تكبل الجسد وتقتل الروح الراغبة فى الحرية،
، يبدأ  بشارة رحلته/رحلتنا مع كادر ثابت لطيور  على سطح النيل ومع موسيقى بالطابع الجنائزي قدمها انتصار عبد الفتاح، ندخل لغناء أو دندنة الجميلة فهيمة بنت حزينة وبخيت البشاري ، فهيمة شابة ، واقعة بين أم هي كتلة من الحزن كإسمها، وأب كتلة من العجز واللسان اللاذع، فى الفيلم ستجد الذكور تنويعات من العجز  ، من بخيت البشاري العاجز بالشلل لزوج فهيمة الحداد العاجز جنسيا، حتى البطل والمخلص كما ظنوا ونعنى مصطفى عاجز بالفقر،، وفى ألعاب التعويض النفسي يمارس الأب بخيت السخرية وابنه مصطفى بال"الفشر/المبالغات"عن بطولاته فى الغربة ، واعنفهم الحداد يضرب فهيمة ، يطلقها، ثم يحرق زوجته الجديدة، فى مقابل العنف الذكوري سنجد الأناث يحاولن الحياة والبحث عن الخصوبة، فلسن جميعا كحزينة الراضية بألألم، الكئيبة التي لا تجيد الفرح،،ففهيمة تحب زوجها الحداد، وحاولت تضميد جراحه بالحب ، وارتضت بالذهاب للمعبد "للتلقيح"من غيره، ارضاء لمجتمعها، ورغم كل محاولاتها طلقت وظلمت، وماتت بحمى النفاس وقد وقع الفقر والجهل وثيقة الموت بيد المعالج الجاهل،،
واذا كان رجال الفيلم من حجارة كحجارة حضارة غربت ، وتقاليد قبلية عربية تكره الحياة وتبحث عن العنف وتبرر القتل تحت مسمى الشرف لكن خصوبة النساء كخصوبة الأرض فتنجب كما يهلل الأطفال فى دروب القرية:فهيمة بنت حزينة جابت بنت، اسمتها -فى مفارقة - فرحة أو فرحانة التى تكمل الدائرة لنقطة البداية من جديد، وتدفع الثمن حياتها على يد ذكر آخر يطمع فيه كزوجة له ، وحين يفقدها يتعلل بالشرف ليقتلها، متباهيا كفارس، حقق ما تمليه "الرجولة"كل تلك المفاهيم "النسوية/الأنثوية  "تأتي هنا كهمس لا كصراخ، كوجع لا كتناطح، تتسلل دائما بين الكادرات والمشاهد والأحداث،، لأن الأساس بدأ من فكرة أنهم بشر لهم حياتهم وأوجاعهم، وليسوا بضاعة أو سلعة أو فئران تجارب لآخر يتعالى عليهم بمفاهيم غربية ،،بل يتوجع الفيلم معهم بشكل انساني وكلمات وأفكار انسانية يطرحها محمد أفندي المتعلم الوحيد، بشكل حديث بعيدا عن تعليم الكتاتيب وخلافه،
 ففى واحد من أجمل المشاهد -والحقيقة أن اختيار الأجمل أمر صعب فى سبيكة الجمال هنا- للحداد "أحمد عبد العزيز"العرق ينضح على جسده، وزوجته فهيمة تحاوره ربما النار هي سر العجز فيدافع عن نفسه ، لولا النار ما كان الانسان ، فتحاول مرة اخيرة افهامه فلولا النار ما كان ابليس وليس الانسان، ويختتم المشهد بالحداد يطلق الرصاص على الكلب..باحثة عن الحب تواجه باحث عن قوة، وهو عنين يعوض فعلته بعنف وقسوة على كائن اضعف، والحقيقة المؤلمة للذكورة والأنوثة معا وبفعل القيود والأساور التي تكبل الجميع أن النار ظلت الأصل فعلا، فقد انهى الحداد بها حياته وزوجته الجديدة رغم رضاء المحتمع عن الزيجة، لكن وحده يعلم بخيانتها له فى البر الغربي، أو يظن أنها لابد فاعلة ذلك طالما لم يقهرها الحب وخيبة الأمل في عجزه، وبقائها على حبها للحياة ! 
المخرج هنا بمنطق البشر لا يبحث عن شكل "استشراقي"فى الأفراح أو زيارة الأضرحة أو غيره من طقوس شعبية فهو روح أبطاله،، لا يشغله "ابهار"عين متلقيه بل مخاطبة عقله وروحه بما يشغل أبطاله فى طقوسهم هذه،، فى الفرح يدلنا بإشارة صغيرة لهزة رأس محمد أفندى المتأسية على أحوال البلد،،ففرح فهيمة لم يكن لوجه الله ، بل ضمن صفقة بين التاجر والحاكم هنا وهو العمدة بمباركة رجل الدين الشيخ هارون لافتتاح طاحونة بالبلد،،المثلث المشترك والرشوة المدفوعة وفرح بنت حزينة كلها خطوط تتلاقى فى المشهد و"كادر"محمد أفندي المتألم لبلده وأحوالها،،نفس الطاحونة التي ستشهد  مأساة فرحة فيما بعد. تماما كما هي عودة "مغاوير"حرب 48 ومحمد أفندى يلقى الشعر الحماسي الدعائي ، ولا أحد يهتم، بل هناك من فقدت ابنها -عبد الحكم رفيق مصطفى فى الغربة -ثم بعد عودة مصطفى نفسه سنجد أن بطولاته أقرب لأفعال اللصوص، لكن الناس هي التي تقرر فيما بعد من تصنفه بطلا مقاوما للانجليز والاستعمار، ومن تصنفه لصا، كحال كتابة التاريخ، حسب زاوية الرؤية والمصالح! 
حالة التركيز الخالصة التى عاشها ونقلها لنا المخرج، تجعل هزة رأس محمد أفندي مجرد واحدة من العديد من التفاصيل البصرية التي تغني عن الحوار وتصرح بالمشاعر وتخبرنا عما بين السطور، فقبلها هزة رأس بأسى أيضا يفعلها بخيت البشاري، حين يداعب ابنته أن تعزل الدجاجة المريضة عن غيرها، وحين تستعيذ الابنة من الشر عنه، يأسى هو بحق، فهو أعلم الناس بأن الشر قد وقع،، وفى فلاش باك يتكرر نرى فهيمة طفلة وشقيقها مصطفى الطفل يدخن مقلدا الرجال ، فكأننا نلمح مع خصوصية علاقتهما ،،بدايات مصائر ودوائر أدوارهم الحياتية،وأبدع تلك التفاصيل هو تفصيلة علامة الأنوثة تظهر كبقعة على ثوب فرحة وهي تجري بطفولة ولأن الشاب المراهق رآها يساعدها على الوقوف وهي تداري ثوبها، لكن فات الأوان فقد حق عليهما قانون الطبيعة فى العلاقة، والتي لم نعد حتى بحاجة لرؤيتها بعد تلك الإشارة ، حتى الأشواق المكبوتة فى صدور شخوصنا نحسها ببلاغة بصرية وبأقل الجمل والمشاهد،،مثل فهيمة التي تكتحل قبل ذهابها لتسلم عبد الحكم صديق شقيقها زيارة لشقيقها، يسلم عليها بحرارة الشوق المتبادل،
 اختتم ، بمشهد جاء فى منتصف الفيلم ، حكاية ليست بالعابرة أبدا، يبدأ المشهد ببروفيل لوجه فهيمة بعيينها الجميلتين مكحولتين، كأننا أمام وجه نفرتيتي، ثم نجدها كشهرزاد تحكي للحداد حكاية من الحكايات، وفى الحكاية بائع كلام، كل كلمة تنجي بطل الحكاية من الموت، الكلمات كانت الأولى:حبيبك اللي تحبه ولو كان عبد نوبي،،والثانية :ساعة الحظ متتعوضش،، والثالثة:من آمنك لم تخونه ولو كنت خاين..، أمثال من قلب التراث الشعبي، لو بحثت في حكاية الفيلم وفتحت العلب الصغيرة المتتالية داخل العلبة الأكبر ستجدها مفاتيح  حياة شخوص بيت البشاري الذي دخلناه فى الفيلم، وخرجنا منه نحلم بنفس كادر البداية والنهاية ، طيور تحلق بعيدا عن تلك القيود ، والنار  المحرقة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 38 فبراير 2015

4 ذكريات فى بروجرام واحد

$
0
0
 
عيل كالعيال، ركب القطار وذهب للمدينة، القروش قليلة لكن محسوبة بدقة، سيدخل مع الأولاد "السيما"، ويأكل طبقا من كشري سعيد أو ساندوييتشين كبدة وطبق مكرونة من كات كوت كما تقول "يافطة المحل"، وينطقها ككل الناس كتكوت، تلك التفاصيل سمعها من قبل من شقيقه وأصحابه، وربما من كل الكبار، رحلة العيل كانت مميزة كالعيد، ليس لأنها كانت فعلا فى العيد، بل لأنه مرته الأولى، ذهبوا لسيما عبد الحميد، دفعوا قروش التذاكر،،وقيل لهم ان الحفلة  4 افلام وان اول فيلم اسمه العبقري 5،، "استعيلهم"العامل وخدعهم وبدلا من اجلاسهم على الكراسي أجلسهم على الأرض، وكانت أجمل خدعة حدثت في حياة العيل اياه، هو على الأرض أسفل الشاشة الكبيرة التي صارت مهولة فى حجمها، وكانت أول لقطة سينما يراها فى حياته، زاوية الكاميرا فى اللقطة ومكان جلوس العيل وملامح علي الشريف المخيفة جعلته عملاقا، وزادته هيبة فوق هيبته وهو يدخل بالنبوت محطما أحد المخازن، فشهق العيل و"ندهته النداهة".
 2
 فى  ذلك الزمن الذي يبدو الآن كعصر بدائي، قبل الفضائيات والانترنت وقبل كل شيء تقريبا، كان من المستحيل حدوث معجزة عرض فيلم انتاج نفس السنة فى سيما عبد الحميد او سيما الفيوم،والاكثر استحالة أن يكون من أفلام مهرجان القاهرة،لكن الولد الذي اعتاد "التزويغ"من المدرسة وجد المستحيل يتحقق، فى نفس توقيت نزول فيلم "ناجي العلي"،، عرض بسيما عبد الحميد، ربما بسبب حملة الكراهية الفاشية  التي شنت ضد الفيلم من دولة مبارك، وربما لاسباب تجارية بحته، المهم.فجأة اختفى عالم بروسلي وجاكي شان وجميلات الافلام التركية بالبكيني، وتبخرت ضحكات افلام الازواج والزوجات المصرية المتشابهة ، وجد الولد نفسه أمام فلسطين  التى يسمع عنها فى نشرات الأخبار ودعاء الجمعة ، تجسدت اخيرا أمامه بعد الغموض والأساطير، عرف ناجي الذي قتل برصاص العدو، وربما برصاص من تبول علي حدائقهم المصطنعة فى الحفل ساخرا من نضالهم المزعوم، ويقول بمرارة (الكلب اللي ينزع شجرة من ارضها ، كيف بدو يحرر بلد ) ، كأنه يرى ممثلا مختلفا عن نور الشريف الذي يعرفه فى نوعيات حبيب مهجتي والقطة الشقية واوعى تبوسني لتكهربني التي اعتادها هنا ،،ومحمود الجندي فى اروع دور له ، المصري الذي ادمن الخمر والذي ينتظر الجيوش العربية ، وطبعا لا تأتي،، كان الفيلم ك"صدمة وعي"علمته انه الافلام ليست  للتسلية فقط!
 3
  زمن كانت النجومية لممثلات من ذوات الوزن الثقيل، حجما لا تمثيلا، من سهير رمزي لهياتم لاسمها ايه صدقي! الخ الخ ، حتى بدت ناهد شريف وشمس الباردوي مسكينتين لا تجدان من يطعمهما غذاء النجمات! أدمن الولد قضاء ليالي الشتاء فى سيما الفيوم الاكثر دفئا من عبد الحميد، و طبعا قد تعلم حيل الاختفاء عن الاهل والاصحاب، واختلاق الحكايات الكاذبة كمبرر لغيابه،،وفى سيما الفيوم كان الجلوس بأعلى ليكشف السيما، فما يحدث بين المشاهدين وقليل من المشاهدات، كان اكثر متعة احيانا من فيلم سمج كفيلم قضية سميحة بدران، واهتم المراهق بعدها بنصيحة اصحابه ممن لم يشاهدوه بحضوره بسبب لقطة لهياتم تجعلم يحتملون عذاب نبيلة عبيد ، كل شيء كان طبيعيا ليلتها سوى سؤال غريب من احد الجالسين، عن مكان ليصلي فيه،،وتبريره المتكرر انه اضطر للمبيت فى المحافظة هنا ، ولم يحضر لنفس اسباب المراهق  لرؤية اجساد الممثلات، ولا للتصلص على عبث المتفرج هذا او ذاك بجسد صاحبته،،نال المصلي سخرية لا تنتهي بعدها من الولد كلما حكى الحكاية، وكلما رأى نظرات الاستنكار فى عيون من يحكي لهم بسبب حساسية الدين، لم يهتم،فقد اعتاد التكفير على اقل من ذلك، ولم يعد يمكن ابتزازه بهذا  السلاح، وظل يحضر للسينمات عامدا وليس مضطرا،كذلك الغريب ، حتى بعد سنوات الوعي بالفرق بين الأفلام وتعبئة الشرائط ،  ظل يحن لجو السيما "بعبلها" ! فيشاهد -على الكمبيوتر - افلاما ومشاهد اضعف حتى من قضية بنت بدران، لكنه يحرص أن تكون كوميدية،خاصة وأنه حينها يعاني نقص الأوكسجين فى الحياة!
 4
 صاحبنا الذي أدمن السيما اصيب بالتخمة من كثرة ما "هرس"من افلام امريكية وهندية وتركية ومصرية فصار يحضر بحكم التعود، ومرة جلس مستعدا لممثلة الوزن الثقيل ليلى علوى ومعها ممثل لم يكن مشهورا وقتها، لكنه بدا لصاحبنا المراهق "ابن لذين "فى التقبيل والاحضان وممارسة الجنس،تبين بعدها ان الممثل اسمه محمود حميدة، والفيلم اسمه انذار بالطاعة، كانت بداية لليلة سعيدة للمراهق، وكل شيء يسير فى مساره الطبيعي كسهرة سيما تنتعش بها الهرمونات،
 لكن فجأة بدأ المراهق يميل قلبه مع صوت الراديو فى خلفية الحوارات، وصورة الشارع، وطريقة المخرج بحركة الكاميرا بألفة غريبة ، وصدق وواقعية تشبه الحياة لكنها اجمل،، رغم مرارة احداث الفيلم ،ويعود عقله للتفكير وهو يرى شابين سرقا بسبب الفقر، ودخلا السجن فتغيرا تماما، وصارت اللحية عندهما اطول من احدهما- احمد ادم،-، وفكر صاحبنا فى بلدته الصغيرة التي تئن بين مطرقة الحكومات الفاسدة وسندان تجار الدين،
 لكن المشهد المرعب بالنسبة لصاحبنا، حين علم البطل بفرح حبيبته وخطبتها لغيره، دخل العاشق لينام دون كلمة واحدة، وهو على السرير والكاميرا تدخل الغرفة بهدوء ثم تركز على رأسه، وفجأة خيط دم ينزل من خلف الأذن على السرير، وقد انفجر شريان فى الرأس، من غضبه المكتوم وحزنه، وقف شعر رأس صاحبنا لحظتها ،ونالته من لحظتها لعنة "الشرود/ السرحان"حين يحدثه أحد،،متخيلا لحظة دخول أمه لتوقظه فتجده كالبطل الغارق فى دمه ،،
ثم شهد فى الجزء الأخير من الفيلم ،ما جعل قلبه  يكبر قبل الأوان بأوان، وعرفت الدموع طريقها لخده،ربما للمرة الأولى ، ربما،
ذلك حين اخذ الاب ابنته ومشيا كصديقين فى صباح باكر ، جعله المخرج من اجمل وارق تصوير الصباح وربما اجمل من الصباح فى الواقع،  الأب -سيد عزمي - هنا ممزق بين ابوته ورجولته حين علم ان ابنته مارست الجنس مع حبيبها، وفى كفة اخرى محبة الأب لابنته ولوعته لأنه مطالب بإيذاءها،، كانت لحظات فارقة ، ووداع لعبل السيما ودخوله لملكوت السينما،   ،بعدها "بخ"تبخر العالم القديم، وكبر العيل/المراهق، دار ولف فى دوائر كثيرة،، وصار من عادته النقد والمراجعة والشك فى كل ما أحب ،
لكن اليقين انه "من يومها "خرج  لكل الدوائر
 وفى القلب مدينة لها دروب وشوارع ،كتب عليها:  عاطف الطيب!

The Imitation Game

$
0
0

The Imitataion Game..
 ..العالم الذي عذبته البشرية وانقذها
أشرف نصر

  فيلم: لعبة المحاكاة
 أنتاج : بريطاني-أمريكي 2014 اخراج: مورتين تيلدوم سيناريو: جراهام مور -عن كتاب: اندرو هودجز بطولة: بيندكيت كوبرياتش-كيرا نايتلي

 فاز الكاتب جراهام مور بفيلمه لعبة المحاكاة بجائزة أوسكار 2015 كأحسن سيناريو مقتبس، بعد فوز الفيلم بعدة جوائز فى مهرجانات سبقت الاوسكار، الفيلم المأخوذ عن كتاب اندرو هودجز يقدم حياة عالم الرياضيات آلان تورينج والذي كرمت اسمه ملكة انجلترا بعد مرور نصف قرن على رحيله، صورة وردية للنجاح والأضواء، لكن الفيلم يقدم لنا خشونة وآلام الواقع، آلان تورينج باختصار هو عالم نجح وفريقه الصغير فى فك شفرة آلة اعتمد عليها النظام النازي فى رسائله وكبدت صعوية فك شفرتها الحلفاء ملايين من الضحايا، نجح تورينج فى صنع آلة مضادة فكت شفرة آلة انيجما، وفاز الحلفاء فى معركة الشفرات ثم الحرب،، فالحرب ليست فقط القنابل والقتال وجها لوجه، فالصراع بين العقول كان له دوره، بل وحتى بعد الحرب كانت آلته ملهمة وبذرة اختراع الكمبيوتر فلك أن تتخيل دوره فى حياتنا المعاصرة،، لكن كيف فعلها، الطريق وحياة تورينج لم يكونا مفروشين بالورود بل عاني تورينج من البيروقراطية ومحدودي الأفق وعديمو الخيال فى تجربته، وهو ما تغلب عليه، لكن هزمه المجتمع بسبب مثليته الجنسية، فبعد اختراع آلته والفوز بالحرب يحاكم بتهمة المثلية الجنسية ويتم حقنه بهرمونات الذكورة ، فينتحر تورينج تاركا العالم "للطبيعين" ليحصدوا ما زرعه.
فيلم بعد فيلمين:
اذكر بعد فوز "جبل بروكباك"كيف تحولت الميديا لمظاهرة للدفاع عن حقوق المثليين جنسيا، وأمريكا ل"شو ضخم"، خاصة والفيلم يطعن كبرياء الذكورة الأمريكية فى مقتل، بتقديم رعاة بقر من المثليين،والفيلم محتشد بالمشاهد الجنسية بينهم بشكل صادم مجتمعيا،، ومن نافلة القول أنه لولا الانترنت لما شاهده احد فى المنطقة العربية، المهم أن الاستدعاء هنا له علاقة بموضوع فيلم لعبة المحاكاة،  والمقارنة ستصب فى صالح لعبة المحاكاة، المشغول اكثر بأزمة البطل ومعاناته بعيدا عن إثارة ما لمشاهديه او حتى استفزازهم، وعن الشو الاعلامي لمناصرة هؤلاء ، بل هو دعوة للتفكير بعيدا عن الأحكام الأخلاقية،،لكن فنيا  كسيناريو واخراج وتمثيل ،لن تكون  كذلك أمام فيلم "العقل الجميل"حول حياة عالم الرياضيات جون ناش،والمسافة بين الهذيان والحقيقة خاصة فى العلاقة بالمخابرات الأمريكية،،
وفى لعبة المحاكاة نحن أمام علاقة بجهاز المخابرات البريطاني الذي يمول ويشرف على تجرية تورينج
 رهافة انجليزية ولمسات هودليودية مزعجة:
 اجمل ما في فيلم لعبة المحاكاة هو نسيجه العام حيث المشاهد هو من يكتشف سخرية الشخصية، وآلامها،
 ويشترك فى التجربة مع بطلها، بينما نجد فى بعض المشاهد الالحاح للتأثير على المشاهد ، والتي نخمن ادخالها فى السيناريو فى نسخ لاحقة، ولا يهم دقة التخمين، ما اعنيه، انك ستجد الفيلم يركز على تجربة تورينج، لكن الفيلم يبدأ  بمشهد سيأتي لاحقا للتحقيق معه كجذب لانتباه المشاهد ،، ومشهد اكتشاف الحل فى لقاء تعارف فى بار ، يحيلنا مباشرة لمشهد ماستر سين فى فيلم العقل الجميل، ومن تلك اللمسات الواضحة من لمسات "فورم السيناريو  الأمريكي "جاء فى مشهد جميل كتابة واخراجا وتمثيلا حينما يرفض تورينج ابلاغ الامن فورا بكسر لشفرة آلة انيجما،خوفا من معرفة الالمان ان شفرتهم تم حلها، ولو حدث ذلك لغير الألمان اعدادات آله انيجما وهو ما يعني ضياع كل التجربة ،، والمشهد يكتمل تماما مع مأزق اخلاقي وانساني انهم مضطرين لترك بعض السفن تدمر والضحايا تسقط،،ثم فجأة تجد استطرادا لابتزاز العواطف ان احد افراد الفريق يريد انقاذ سفينة شقيقه، مع حوار وتمثيل يهدم بتقليديته المشهد،وكأنه ذروة مضادة ! اما اللمسة القاتلة -فى ظني-هو تكرار رسالة أو مقولة الفيلم عدة مرات رغم ان الفيلم يطرحها فى أماكنها بشكل مناسب، ثم نفاجئ بالالحاح عليها، ونقصد جملة: اولئك الذين يظنهم الناس بلا قيمة،وحدهم من يفعلون ما لا يتصور. ورغم هذه اللمسات ستجد سياق واسلوب الفيلم فى اغلب  الوقت اكثر رهافة وبساطة، فمثلا فى مشاهد اختيار الفريق المعاون لتورينج ستجد فوتومونتاج لسكان لندن والناس تحل الكلمات المتقاطعة فى المخابئ والقنابل والغارات تتوالي، وفى قصة حب تورينج لزميله فى المدرسة ستجد اللمسات والنظرات وحتى فى القضية التي حوكم فيها.لن ترى مشاهد بينه وبين من استاجره للجنس، ومن اجمل المشاهد اللحظة التي يتم فيها ابلاغه بموت زميله، فيدخل فى لحظة انكار نفسي، حتى انه يبلغ مدير المدرسة أنه غير مهتم ولا يعنيه الأمر، فهو لم يكن يعرف الزميل بشكل كاف لصداقة، بينما نحن كمشاهدين نعرف حجم الألم النفسي ونراه فى عيون الولد الذي ادي مشاهده بشكل يوازي "وفى رأيي"يفوق الممثل البطل، بيندكيت كوبرياتش، الذي يلمع فى مراحل التجربة العلمية وتصوير العالم بخصاله التي لا تطاق، بينما يضيع واحدا من اهم المشاهد مشهد المرض أو الألم من أثر  حكم القضاء البريطاني بالحقن بالهرومانات، ، نعرف الآن أن حكما كهذا يعد من الافعال المؤثمة قانونا الآن مواثيق حقوق الانسان،وهو امر لم يشهده تورينج وغيره ممن عانوا من التمييز  الديني والجنسي الخ الخ،
قصة حب وصداقة وعمل:
الانسة والفتاة الوحيدة فى الفريق،"جون كلارك"يخطبها تورينج ثم نكتشف انه خطبها رغم مثليته لاكمال الشكل الاجتماعي امام والديها، والاهم عنده اتمام المهمة،،لكن الانسة "كلارك"من جانبها ستجدها شخصية جميلة تحبه وتصادقه وتعرف جيدا ان قصتهما محكوم عليها بالفشل ولن تتم، وادت كايلي نايتلي الدور حسب مساحته ، لان الفيلم رغم هذه العلاقة المركبة ونفسية الفتاة ركز على البطل بالأساس وهو محور الفيلم، او ما عمل عليه صناعه بعيدا عن "الاتجار"او ابتزاز المشاعر تجاه شخص سيصفه دائما الناس بأنه وحش ، او لا يطاق، او كما  تقول الترجمة الحرفية:غريب  الأطوار.، ووجدت نايتلي متنفسا فى الاداء لو صح التعبير فى مشهد جميل وهو يواجهها انه استغلها فتصفعه وهي تدوس على اسنانها وترفض ان تعود  مجرد فتاة مطلوب منها اجتماعيا دور السكرتيرة والزوجة الطيعة .
حكاية الطبيعي والمختلف:
يصل بك الفيلم لاعادة التفكير فى افعالنا ومضايقاتنا وايذاءنا وعنفنا تجاه من يختلف عنك، بينما الأصل اننا لا نتشابه بل لكل منا صفاته وميوله وطباعه والفكرة فى التعايش بين مليارات البصمات البشرية، لكن الشعارات مختلفة طبعا عما يحدث ، والا ما كانت الحروب اصلا، والتي مهما اتخذت من اسباب ظاهرية :حروب دينية، حدود، اي سبب، ستجد الحقيقة ان السبب هو اختلافنا ومحاولة طرف فرض نمطه وطبيعته لاخضاع الطرف الآخر،ربما هنا استدعاء لفيلم ثالث هو فيلم الكارتون "الاقدام السعيدة"وكيف عاني البطريق الذي يحب الرقص من البطاريق الذين يرفضون اختلافه عنهم. وسنجد فى لعبة المحاكاة كيف هزم تورينج الة انيجما عندما ادرك تشابه الأفكار بين البشر  فيقدم آلة مضادة ليهزمها.بنفس منطق  البشر تعامل هو مع الآلة !
 اخيرا:ربماا المفارقة الأكبر أن الجملة ومقولة الفيلم المكررة التي اشرت اليها سابقا ليست اجمل واهم جمله-ففى رأيي- أن الاجمل والجملة الفارقة حقا، ما يتحدث عنه آلان تورينج حول أن الناس عندما تتكلم لا تعني ما تقوله، ويريدون منك أن تجيب حسب ما بداخلهم ودوافعهم لقول ذلك. وهو سر عثرات آلان تورينج فى الحياة أنه يعني ما يقول بصدق وبشكل حرفي ومنطقي ،.لو فكرنا بصدق سنجد للأسف أننا جميعا نلعب الالعاب والحيل النفسية بشكل تصفه العامية المصرية "لف ودوران"وفى تجلي شبابي للعامية المصرية توصفه بدقة "بنحور ف الكلام"،
 نحن  هكذا للأسف!
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 39 مارس 2015

رصاص فوق برودواي

$
0
0

رصاص فوق برودواي ..
الفنانين كهدف لرصاصات وودي آلان المبهجة ! 
أشرف نصر  
***
 Bullets Over Broadway 
اخراج : وودي آلان
 تأليف: وودي آلان -دوجلاس ماكجرث
بطولة: جون كيوزاك-ديان ويست
 انتاج: امريكي 1995  
كرة الثلج : 
يبدأ وودي الآن فيلم: رصاص فوق برودواي، بحوار قصير، مشهد واحد، وقرار يبدو بسيطا، فيتغير على أثر القبول تغير عالم بطله ، ديفيد (يؤديه الممثل جون كوزاك) كاتب مسرحي شاب، اخيرا وافق المنتج تقديم مسرحية له، والنقاش والتفصيلة الصغيرة، هو أن الممول يريد دورا لصديقته فى المسرحية، نحن فى نيويورك العشرينات ومسارح برودواي تعنى الشهرة، وإنتاج مسرحية للفنان ديفيد سينقله من عالم التنظير فى المقاهي، وجلسات المثقفين الناقمين المفلسفين لكل شيء إلى قلب  "سوق الإنتاج"،بنعيمه وجحيمه، (الطريف حقا أن "الهموم الانسانية"متشابهه لدرجة مدهشة، الانتقال -مع الفارق طبعا- وكأننا سنحضر أحد مثقفي وسط البلد "العاطلين"وسيتم إنتاج عمل له سيعرض فى رمضان مثلا ) ،، جلسات وحياة ديفيد كانت واضحة وسهلة مع حبيبته ورفاق الجلسات، حيث اللغة المشتركة، والنظرة الأحادية للعالم،وإطلاق الجمل"الفخمة "المعقدة كأنها اكتشافات فريدة،ويختلط طبعا الفنان بالمدعي فى سحابات الدخان، ولأنها"فرصة العمر" للفنان ديفيد، يقبل بالطبع، ويقدم التنازل الصغير، لكنها تحولت ل"درس العمر"فتنازل صغير يعني كل شيء! فالفتاة صديقة الممول فتاة سيئة جدا فى التمثيل، وكل مؤهلاتها عشيقها الممول، والذي هو -ببساطة وودي آلان فى حبكاته المدهشة-"نك"رجل عصابات كبير، وزعيم مافيا، حياته اليومية جرائم لا تتوقف، الكوميديا تتفجر مع كل تفصيلة جديدة، وفى قلب كل مشهد، منتقلا بين الشخصيات ودوافعها ليدفع الأحداث للتصاعد وبشكل سلس، معتمدا على تطور ، وكرة الثلج التي تتدحرج تكبر باستمرار، وتزيد المفارقات وتتعدد مستوياتها، فلك تخيل فرقة مسرحية من الممثلة الفاشلة ، ونجمة غربت عنها الأضواء هي هيلين(قامت بالدور ديان ويست)، ونجم نهم للطعام، وشابة تبدو كمهووسة بكلبها ونكاتها .التي لا تضحك غيرها، ويقودهم "بطلنا الكاتب المخرج"ديفيد، الذي يبدو كأنه دخل بالثياب الرسمية لحضور الأوبرا فوجد نفسه فى قلب السيرك. 
خبرة الكتب فى مواجهة خبرة الحياة: 
المراوغ الجميل وودي آلان يخدعنا خدعة جديدة، وكسحره الخدع يوجه أنظارنا لشخصياته فى الفرقة المسرحية، وحتى رغم خط زعيم المافيا، وعالم الجرائم، يبدو لنا الصورة الرئيسية جو المسرحية والفرقة بشخوصها، ثم يخرج الساحر من جيبه أو من أقصي جوانب الصورة شخصية فارقة يسربها فى الحكاية، "تشيتش" (يؤديه الممثل شاز بالمينتري) بودي جارد يعينه رجل العصابات "نك"للفتاة عشيقته، وكل دوره أن يحضر العرض، كي لا يضايقها أحد،،ولأنه "تشيتش"يحضر العرض المسرحي كل ليلة، يلقى بملاحظة صغيرة ومقترحا تعديلا لحوارها، لن تصدق الأثر الذي حدث، يبدأ البودي جارد فى الاقتراحات والتعديل، حتى يتحول تدريجيا "كاتب شبح"أي أنه سيعدل النص المسرحي تماما دون أن يعلم أحد، ولتظهر  لنا هشاشة خبرة ديفيد المكتسبة من الكتب، فى مواجهة خبرات حياتية لا نهاية لها عند البودي جارد تشيتش ، الذي يقتل يعلم من يكتب، بل ويدخل لعبة الفن، فيبدأ التعامل على أنها مسرحيته، وعلى سبيل المجاملة فقط يقول لديفيد:مسرحيتنا. وبنيما ديفيد يتحول لخاتما فى اصبع النجمة الشهيرة"هيلين"التى تتحول ل"وحش"والوصف مبالغة، للبحث عن وصف لها وهي تلتهم روح وعقل ديفيد وجسد ديفيد، ليس لسواد عيونه، وهي التي ارتمى تحت قدميها من لم تعد تتذكر حتى اسماءهم، ولكن لهدف واحد، مجدها وعودة الأضواء لها عبر زيادة دورها و"ابرازه"، فيندمج ديفيد وينسى حبيبته، وكأنه أخيرا دخل التجربة الحياتية ، تاركا البودي جارد يندمج فى لعبة الفن! 
سخرية نعم، سوداوية لا: 
وودي آلان لم يرحم نفسه من سخريته بل على العكس، انغمس فى تشريحها، وتشريح الأسرة، مجتمعات اليهود وعاداتهم،كأنه حين فعلها تحرر من أي موانع تمنعه من السخرية من العالم أجمع، حين تقع الفريسة (كأهل الفن فى فيلمنا) ينطلق كنهر جارف، يسخر من الطباع، التصرفات، التحولات، النهايات والمصائر، فديفيد هنا ليس بريئا ملائكيا، بل ينغمس رويدا رويدا فى حب هيلين، ويدخن، ويترك فنه لتعديلات تشيتش، وحتى مثله الأعلى فى جلسات المثقفين، نكتشف أنه يقدم المبررات والتنظير "ليقيم علاقة جنسية"مع حبيبة ديفيد، وكأن الجميع يمثل، وينتظر الفرص للانغماس فى التجارب، كل تلك السخرية والمفارقات، لا يقدمها وودي آلان بحكم أخلاقي طبعا، ولا بمرارة تراجيدية حتى، بل بابتسامات وضحكات تتعالي تدريجيا ، والسؤال الذي يبدو بسيطا ومتوقعا، هو السؤال المحوري فى حياة ديفيد، حين يسأل حبيبته ، هل تحب الفنان فيه أم الإنسان؟ وكعادته ينهي فيلمنا كالكثير من أفلامه بنهاية ناعمة رومانسية سعيدة، منتصرا لقصة الحب ولو على حساب الفن. يؤمن بالحب ولكن ليس على طريقة الكلاشيهات العاطفية، بل بالحب الذي مر بالعواصف، واستقر بعد التأرجح فى صخب الشهرة، الجريمة، الخيانة وتجارب الآخرين. هذه البساطة والسلاسة ليست فى حكاية وسيناريو الفيلم/أفلام وودي آلان فقط، بل فى الإخراج السهل الممتنع، والتمثيل الكوميدي الذي لا يهدف لانتزاع الضحك الخالي من التفكير، بل الأداء البسيط الهادف لرسم البسمات الصغيرة والتفكير فى المفارقات الحياتية، أو فلنسميها :هذه الكوميديا التي نعيشها ويسمونها الحياة! كل ذلك يأتي بمعا ومترابطا لأنها طريقة تفكير بالأساس، ولن نجد غالبا مشاهد صعبة تكنيكيا أو عربات تتحطم وطائرات تسقط، الخ العاب هوليود، إنما هو يحب ملاصقة الكاميرا لشخوصه، وموضوعه هو الأساس، وارتباط المشاهد بأبطاله هو الهدف دائما، ويتعامل مع الامتاع كجزء رئيس فى الفن، فحتى وهو يتناول مثلا مشاهد القتل، وعالم المافيا، يطلق القاتل الرصاص، تسقط الضحية، لا نرى الدماء والجثث،
 ينقلنا فورا للقتلة ، الذين يفكرون فورا -وببساطة -:
 هيا لنأكل !  
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 40 أبريل 2015

سمع هس ..عذوبة أغنية الصعاليك فى مواجهة لزوجة النشيد الوطني

$
0
0

سمع هس.. 
                عذوبة أغنية الصعاليك فى مواجهة لزوجة النشيد الوطني !
   
 أشرف نصر  

  "الحياة تراجيديا لو نظرنا لها عبر لقطة مقربة .. ولكنها كوميديا لو نظرنا لها عبر لقطة بعيدة" 
هكذا تحدث واحد من أهم صناع السينما فى تاريخها، شارلي شابلن، الذي كتب وأخرج وأنتج، وقام بالتمثيل فى علامات سينمائية -من المعروف مكانتها ومكانة صاحبها-في الفن السابع، والاستشهاد بشابلن ليس لظهور شخصيته الفريدة (الصعلوك) فى فيلم سمع هس،  وفى الفيلم سنعرف محوريتها، بل لأن فلسفة شابلن فى أفلامه التي تلخصها هذه االجملة، هي التي تمنحنا مفتاحا لفيلم (سمع هس)، ولعالم كاتبه المثير للدهشة والبهجة دائما، الكاتب ماهر عواد، حول النظر للحياة فى لقطة واسعة لرؤية كوميديتها بدلا من الهزيمة أمام مأساوية تفاصيلها،،
يشارك عواد "اللعبة"هذه المرة شريف عرفه مخرجا ، وممدوح عبد العليم وليلى علوي وأحمد بدير وأحمد عقل وسهير الباروني وحسن كامي فى التمثيل، ويبدو لافتا أن يكون الفيلم من إنتاج الثلاثي: عواد وعرفه وعبد العليم،
 البداية تضعنا فى قلب المشهد مباشرة، نحن فى شادر شعبي به المهرجين، والمطرب حمص وحلاوة، ورجل يسكر ويضايقهما فيقصان شاربه ويهربا، لينزل تتر الفيلم "سمع هوووس"، كتب اسم الفيلم حسب نطقه، وهي المقولة التي تقال فى الفرح عند محاولة تنبيه الجمهور لما سيسمع الآن، ليتوقف عن الضجيج وينصت، وهنا استخدام تفصيلة كلمة تستخدم من قلب اجواء عالم الأفراح والغناء، وبالفعل سندخل مع الفيلم عالما جديدا مختلفا عن التيار الواقعي السائد، نحن سندخل مع الكاتب ماهر عواد، عالما من الشخصيات الهامشية المحبة للحياة والتي تواجه جنون الحياة بجنون أكبر، وسوف نرى هموم الواقع مغلفة بطرافة كوميدية، لا تقف عند الايفية اللفظي، بل كوميديا الموقف، وخفة الظل فى الحوار تنبع من لغة كل شخصية
 والفكرة ببساطتها "الماكرة -المكر الفني"ربما لا تتجاوز  سطورا قليلا حتى لو حكينا كل أحداث الفيلم "حمص وحلاوة مطرب وراقصة يغنيان فى الشوارع أغنيتهما الخاصة بهما، والبسيطة جدا، ويسرق اللحن موسيقي شهير،ويضع عليه كلمات لنشيد"وطني"رنان ، ويحاولان استرداد حقهما فيقف المجتمع كله ضدهما"والشخصيات هنا هي التي تتصادم بشكل كوميدي وتصنع المفارقة فى موقفها من الأزمة! 
فأزمة حمص وحلاوة أنها اغنيتهما، بينما المجتمع كله (بخلل معاييره) يراهما متشردين ليس من حقهما الشكوى ، بل عليهما الفخر بما فعله الموسيقي الكبير "غندور "من وضع كلمات وطنية بدلا من كلماتهما، وبمشرط الجراح لا يرحم الفيلم غندور ويكشف ماكينة الإعلام الكاذب، عبر رؤيتنا لاختطاف غندور لرجل متشرد عازف بيانولا (شارلي) ثم تهديده للحصول على لحن جديد (عندي مناسبة وطنية ومزنوق فى لحن) فيحصل على اللحن الذي سمعه شارلي من حمص وحلاوة،،والمؤلف (الذي سيفبرك أي كلام) جاهز ويدخن الشيشة و"يبدع"وهو يهز رأسه لربة الإلهام
، لن تقف السخرية ابدا فى الفيلم، فغندور يرقص فى الصحراء وعلى مركب فى النيل (فى "بارودي"أو محاكاة ساخرة لما نراه فيما يسمى بالأغنية الوطنية) ، وعند نزولها للأسواق طبعا تحقق النجاح والانتشار ، فالحساسية الوطنية حاضرة، والشوفينية ملتهبة عند الجميع، حتى أننا نرى السكير الذي يضايق حمص وحلاوة، وطامعا بالطبع ككل السكارى فى جسد حلاوة، يتوتر جدا من سماع (النشيد واللحن الوطني العظيم) يغنى بطريقة حمص وحلاوة وفى كبارية! هكذا نجد مفارقات انهما صارا لصين لما هو فى الأصل ملكهما ، وهو لحن اغنيتهما البسيطة العذبة، واللص غندور بأغنيته الزاعقة اللزجة صار صاحب الحق، وسنرى أن حساسية السكير "الوطنية"ليست قصرا عليه، فالجميع يقف ضدهما من الأثرياء ، وحتى -للمفارقة-الفقراء كماسح الأحذية والصياد وغيرهما،،وحتى من يقف معهما يكون بلا حول ولا قوة مثل عازف البيانولا شارلي، وعفارم عازف الربابة، 
فى الفيلم يمزج بين  السياسة -فى فكرة اللحن الذي اصبح بالتضليل لحنا وطنيا ، يصبح المساس به خيانة للوطن! -بمصيبة اجتماعية وكبت جنسي جعل سلوك الرجال تجاه النساء ككلاب لا تريد سوى نهشها مثل صفصف بيه منتج الكاسيت ، "المثار دائما"،وزبائن الكباريه وزبائن الافراح، وخط الشباب المنطلق كالقطيع فى الكورنيش لاصطياد اي ضحية ، وصولا لحق إنساني ضائع حول الفقراء الصعاليك وموقعهم فى الحياة، فحمص يريد حياة طبيعية وأن ينجب من حبيبته، دون أن يجدا فرصة لتلك الحياة الطبيعية..والمؤلم فى مفارقة أن لا أحد يريد لهما تلك الحياة فصاحبة البنسيون الذي ينزلان به تطردهما فى أقرب فرصة، والمحامي يبيعهما ويقبض الثمن لخيانته 
..أما الفارق والمبهر كيف مرر الفيلم سخريته من القضاء، (لاحظ محاولات التقديس المستمرة للقضاء المصري، كأن الحديث عنه كفر بالله والوطن) فهو يقدم وبنفس طرافة الفيلم القاضي (خيري بشارة) الأقرع الجالس ممسكا بمطرقة (كلعب الأطفال "بزمارة") وكيف يحضر المحامي بالبيجامة، وكيف يأبي القاضي سماع شهادة شارلي عازف البيانولا، بحجة أنه معتوه، وهنا نرى كيف ينزع تلك القداسة المزعومة ويظهر أنه مؤسسة ،كالإعلام وكالمجتمع ككل ، لا يضع حمص وحلاوة إلا أسفل حذاء غندور وأمثاله، وقد تحولت المحاكمة لمهزلة وضرب من حمص وحلاوة فى الجميع، 
ومن الذكاء الفني للمخرج تصوير المشهد فى ديكور، كأننا بالفعل فى مسرح وليست محكمة، وقدر مرر الفيلم ذلك عبر "استايله"الساخر ،بداية من السيناريو مرورا بالتمثيل وصولا للإخراج، فنلاحظ كيف أدي الممثلون ادوارهم بنفس روح اللعب والكوميديا وحتى فى توصيل معلومة وربط المشاهد سنجد مثلا عازف الربابة عفارم يغني(55 دكتور، غير التمرجية، وحمص فى الإنعاش، وحلاوة عملية) ،
 واخراجيا كيف تحرك المخرج شريف عرفة بحيوية مع أبطاله فى مشاهد سريعة مكثفة، دون مبالغات فى التكنيك، أو حتى رسم مينزانسين معقد للحركة، بل تعمد البساطة، وسرعة الإيقاع ، وتعمد البدء فى منتصف الحدث فى المشهد، والقطع السريع دون تشبع ، للنقل لغيره، حرصا على اللهث مع حمص وحلاوة ، وايقاعهما فى هذه الحياة، وتوجيه ممثليه فى الأداء بمرح مع استغلال موسيقى مودي الإمام كمشهد دخول حمص وحلاوة والبنسيون ، والمواجهة المرتقبة مع عفارم، المتأهب للص خطير ويجهز الربابة كسيف وب"كلوز آب "على اكره الباب، ثم يكتشف انه حمص صديقه الذي يقفز لاحضانه ، وكعادتها تزغرد حلاوة. (تخلي المخرج بعدها عن تلك البساطة لصالح تقليد الإخراج الهوليودي فى أفلام الأكشن)،
 وكما قدم سمع هس الخيارين، البعض يفضل احتمال صدق ومعاناة حياة حمص وحلاوة ، والبعض يختار نمط حياة غندور وراحة المؤسسة وبريقها،وكل يختار مساره، والأهم هنا هو الإشارة إلى اتساق ماهر عواد فى أفلامه منذ بدايتها حتى آخر ما ظهر له،
 وسنشعر بصلات القربى بين حمص وحلاوة وبقية أبطاله، ليس فقط فى هامشيتها وحبها للفن والحياة، بل سنلاحظ دائما أن الحاضر هو الأساس فلن نسمع سوى شذرات عابرة عن تاريخها، كأنها بلا تاريخ، وليس لها مستقبل واضح المعالم، بل يقذف بها لحاضر ضاغط وعليها النجاة ، تماما كما يحدث للفقراء وصعاليك الدنيا،(وكشارلي شابلن دائما فى دور الصعلوك)  عليهم النجاة والحياة الآن فورا، 
وهنا تصبح المقاومة واجبا وليس رفاهية ،مثلما ظل حمص وحلاوة يقاومان ولو بالغناء (سلاحهما الوحيد) فى مواجهة هذا الواقع الكريه. وحتى ينتهي الفيلم بصورتهما على بيانولا شارلي بدلا من غندور وهما يصرخان فى الجميع، بل وفى وجوهنا كمشاهدين : هتشوفوا. 
ليس بالضرورة التقيد بفكرة سنة 2000 كتاريخ كان من المفترض أن "يعدل فيه الميزان المقلوب"بل الأولى اعتبارها إشارة للأمل والمستقبل، والتعلق بالأمل دائما سمة الصعاليك للقدرة على الاستمرار ، كل جهامة الواقع وما تحدثنا عنه بشكل جاف، عالجه الفيلم فى مشاهد لن يتوقف فيها الضحك، لكن ضحك لا يلهي عن التفكير، ضحك سيجعل الدموع تتسلل للعيون، أو بالأحري صحكات من فرط الشجن ، كمشهد بديع يتم ضرب حمص فيه ، وتحطيم أسنانه ومحاولته الغناء فلا يقدر، وحلاوة التي تم اجهاضها من الضرب تحاول التسرية عنه ب"فشرها المعتاد" ، ويختلط ضحكهما -المبتسر-بالدموع وهي تحتضن حمص، فليس لهما غير حضن بعضهما البعض ولو لفظهما العالم بأسره.    
***
نشر بمجلة أبيض وأسود 
العدد 41 مايو 2015

مع الذكريات..خلود شخصية بعد اندثار فيلم !

$
0
0

 مع الذكريات ..
 خلود شخصية بعد اندثار فيلم ! 
أشرف نصر 

فيلم
: مع الذكريات
 تأليف وإخراج: سعد عرفه
 بطولة: أحمد مظهر- مريم فخر الدين-نادية لطفي- صلاح منصور إنتاج: 1961 
"شريف ممثل شهير يعاني من حالة نفسية بعد إطلاقه الرصاص على حبيبته وخطيبته إلهام اثناء تصوير مشهد، بعد أن قام مساعده  مدبولي"الأحدب المجنون "بوضع رصاص حقيقي بدلا  من الرصاص "الفشنك"فى مسدس التصوير"
 للوهلة الأولى تبدو فكرة الفيلم جاذبة للاهتمام ومع تطور الأحداث سنرى كيف تظهر المفاجأة الدرامية والحقائق مختلفة عما يظهر لنا، فالدوافع لدى الشخصية (شخصية مدبولي –التي نظلمها لو وقفنا عند وصفها بالأحدب المجنون) تضعنا فى عالما دراميا مثيرا باعثا للأسئلة وتكرار المشاهدة،
 لكن، المفارقة أن شخصية مدبولى تحلق فى سماوات بعيدة، بعيدا عن بقية الشخصيات بل وبعيدا عن الفيلم ككل بأفقه المحدود، فى عناصره من سيناريو وإخراج وتمثيل ،
فالمكان كما "يقول الكتاب"بين الاستديو وبحيرة قارون والمشاهد رومانسية "حسب المفهوم التقليدي للرومانسية"والحوار مباشر، الشخصية تقول ما بداخلها للمشاهد كأنها كتاب مفتوح تفهم نفسها تماما و"تسقيه"للمشاهد الذي يتابع الأفكار المعتاد عليها فى قصص الغرام، مع مشاهد المطر وارتطام الشباك فتسقط صورة الحبيبة، والنزهة فى مركب، وغيرها من وصفات جاهزة،
ولو نظرنا للبطل "شريف"ربما تفقد الإيهام وتتحول للنقيض من الأثر المطلوب فى التعاطف مع ازمة البطل إلى السخرية من كلامه وتصرفاته، وفى ساعة أو أكثر من الفيلم تجد الإيقاع هادئ لدرجة الملل..دقائق طويلة شريف يقف أمام البحيرة "بحيرة قارون"ينظر للموج، أو يقف فى البيت ينظر لصور حبيبته ، فى محاولة للتعبير عن أزمته، ونرى باسهاب المرض واحضار الطبيب والهذيان باسم "إلهام"ثم نعود بالزمن لنرى قصة حب رومانسية بينهما،
حب "تقليدي"من اكليشهات التصرفات والحوار والمشاهد وخلال استعدادات الزواج يلح الكاتب/ المخرج سعد عرفة على المشاهد بفكرة (انظر لبراءة إالهام واخلاقيتها) و-كانه يتعامل مع مشاهد غبي- يصر على المعلومة مرات عدة من أجل التمهيد للمفاجاة التي ستقلب الرؤية والحكم عند المشاهد
، بأن إلهام كانت خائنة ومدبولي فعل ذلك من "فرط محبته"لصديقه، وفى تصرفات شريف ينقلب الأمر من شخص طيب لشخص "عبيط"ونحن نراه يفعل ما يفعل ،حتى انه يرى فى البداية مدبولي يحاول اغتصاب حبيبته فلا يريد طرده من العمل "كي لا يقطع عيشه"!
 فهل من عاشق ملتاع من أجل قبلة ويكابد من أجل اللقاء الجسدي بحبيته ويعاني من اصرارها "الأخلاقي"ألا يحدث إلا بعد الزواج، هل هذا تصرفه عند دخوله ورؤيته لمحاولة اغتصابها ممن بعطف عليه، سيبقى حريصا على تلك الطيبة، ربما!
وبالطبع لن نجد أفضل من أحمد مظهر بذلك الجمود و"التخشب"فى الأداء(فى الكثير من أدوراه) من أداء شخصية مرسومة دراميا بتلك  الوصفة الجاهزة سنجد بقية الشخصيات والأحداث ومنها شخصية آمال، التي تحب شريف الذي رباها لقرابتهما البعيدة و"تتفاني فى حبه على طريقة: والحب من غير أمل أسمى معاني الغرام"الطريقة التي ربت أجيالا على استعذاب الماسوشية والمهانة فى علاقات الحب، عبر تلك النوعية من الأغاني والأفلام،
 ولكن الفيلم الذي –اظنه- "اندثر"فى ذاكرة المشاهد أو على الأقل يحتاج جهد للتذكر،
صنع لنا أيقونة خالدة هي شخصية مدبولي التي قدم بها صلاح منصور واحدا من العلامات فى فن الأداء
، المكياج بالحواجب الثقيلة، والشارب، و"كتلة"حدبة الظهر وبذلة وحيدة طوال الفيلم، أشياء مهمة طبعا، كرسم خارجي للشخصية، لكن الأهم هو المحتوى، فكما الشكل علامة بصرية، يقدم لنا صلاح منصور علامة نفسية، فى شخصية ثرية كشخصية مدبولي (والتي لو رسم السيناريو بقية الشخصيات كما رسمها لكنا أمام فيلم أروع كثيرا،والغريب مهارة حوارها عكس باقي الشخصيات) كأننا أمام صورة نبيلة من فكرة"الدبة التي قتلت صاحبها"فمدبولي سيقتل ، أو بالأدق يدفع صاحبه للتخلص ممن لا تستحقه، لاحظ جمله البسيطة الرائعة فى الحوار عند اكتشاف الخيانة،
 ونعني جملا مثل: بس الأستاذ شريف هيزعل، وعند حديثه عن الخائن أو عشيق إلهام: أنا اطلع له بطوبة وهو هيخاف،
 تفكير مدبولي كتفكير الأطفال بسيط وواضح ويصل للتعبير عن أفكاره عبر مخزونه الضئيل من الكلمات والتصرفات لكنها دائمة صادقة
، صلاح منصور هنا يحني ظهره نعم، لكن يرفع قامته كممثل أمام أقرانه فى العالم، كل مشهد هو درس فى الأداء،
فمثلا فى مشهد الاغتصاب المفترض نرى أنه يقبل إلهام ويحتضنها بأداء عشوائي مناسب لاعاقة يده وصعوبات الحركة مع الحدبة التي تثقل الظهر،
وحين يحكي حقيقة الأمر لشريف وكيف دبرت إلهام ذلك نرى كيف كانت إلهام تتشبث به وتدعي عليه لطرده واخفاء جريمتها، سنراه يؤديه بطريقة مختلفة تظهر عجزه عن المقاومة (مقاومة الأصحاء بدنيا) ،
 أو فى مشهد القتل وكيف تغيرت انفعالاته من الضحك عند مقتل إلهام للبكاء وهو يرى حزن شريف عليها، وبعد شخصية/دور/أداء كهذا، يقدم صلاح منصور"مسك الختام"حين ينتهي من اثبات براءته عند صديقه ويكشف الحقيقة، يموت فاتحا عينيه وفمه فى جلسته على الكرسي، مع جمود الوجه فى أداء
مبهر، لصعود روح مدبولي للسماء لتشكو لها ما جرى لها مع البشر القساة وأفعالهم الحقيرة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 42 يوليو 2015

Taxi Driver ما فعله سائق التاكسي بنا وبسكورسيزي!

$
0
0

Taxi Driver
ما فعله سائق التاكسي بنا وبسكورسيزي!
أشرف نصر
تأليف:بول شريدر
إخراج:مارتن سكورسيزي
بطولة:روبرت دي نيرو-سيبل شيبرد-جودي فوستر
إنتاج:أمريكي 1976
تعاون سكورسيزي-بعد عدة أفلام- مع الكاتب بول شريدر فى سائق التاكسي،هو الفيلم الثاني لشريدر،ويختار سكورسيزي دي نيرو للبطولة، ثم يتعاون الثلاثي بعدها فى فيلم "الثور الهائج"، بعدهما تعاون المخرج والكاتب فى تحويل تحفة كازانتزكس الروائية "الاغواء الاخير للمسيح"المثيرة للجدل لتحفة سينمائية مثيرة للجدل بطبيعة الحال! ويظل لسائق التاكسي مكانته كعلامة انطلاقة فارقة،مع مرور الزمن تحول الفيلم لأيقونة سينمائية،ولنبدأ عملية استعادته "بأثر رجعي"للبحث عما فعله الفيلم بالسينما،بنا وبسكورسيزي.
البداية بلقطات لأضواء الإعلانات وقطرات المطر على الزجاج وكلوزات للتاكسي العابر بنويورك التي تتصاعد في شوارعها الأبخرة،المكان نيويورك والزمن 1976
 نيويورك- المعروفة عالميا- بالمدينة التي لا تنام،نشاهد حياة الليل فيها من خلال سائق"ترافيس"ناقم،غير متكيف اجتماعيا،المدينة فى رأيه تحولت لمستنقع من الفساد والمخدرات والدعارة والتفسخ الاجتماعي،ترافيس يستلم عمله لأنه يعاني الأرق فى الليل،كان قد خرج من الجيش،بعد نهاية المأساة الأمريكية فى فيتنام وانتشرت صرخات الغضب الاجتماعية من الدعارة والمخدرات والهيبز وتمرد للشباب،
فى الفيلم سنجد تمرد الفرد فى مواجهة المجتمع،"ترافيس"يعاني الوحدة والحياة الحقيرة ومن الأصوات فى عقله،يرغب فى الفعل وعاجز عن فعل شيء وهو على أقصى هامش من المجتمع،قصتان فى حياة ترافيس،بيتسي الشابة المقبولة اجتماعيا والتي تعمل فى حملة مرشح سياسي للرئاسة،والطفلة العاهرة ايريس أو "ايزي"–لقب العمل-،ومن قبل ومن بعد مع التفكير الذي يعذبه.
سكورسيزي مخرج يفكر بالكاميرا،يعتصر قصته مخرجا تفاصيل سيناريوهاته كدراما، وحاضر بحركة الكاميرا طوال الوقت فمثلا يقطع لقطاته ب"كلوزات"لتفاصيل يركز عليها ويوجه بها عين المشاهد،تفاصيل مثل عداد التاكسي أو ورقة نقود او كوب الفوار ويكرر كلوزات مرآه السائق،وهو يشاهد الركاب معه من زاويته،
فإذا كانت كلوزات البداية وتقطيعات اللقطات فى البداية تخبرنا عمن نحن مقبلون عليه فى عالم الفيلم، فسنجد مشاهد "ترافيس"فى غرفته تبعث الحيوية من خلال التقطيعات وتغيير زوايا الكاميرا فى اللحظات–الميتة دراميا- مثل حالة الأرق وعند شراء المسدس وتجربته، فهي على الشاشة مشاهد طويلة لكن لا نحس بأي ملل بل يثيرنا الغضب والرغبة فى الفعل مثلما هو حال ترافيس،
فمثلا فى مشهد شديد الدلالة،الكاميرا ثابتة،اللقطة متوسطة،ترافيس يجلس على يمين الكادر،يمسك بالمسدس ويمد ساقه،وعلى يسار الكادر تليفزيونه الصغير على كومود،يهز ترافيس التليفزيون بقدمه،والذي يعرض أحد مشاهد مسلسلات "السوب أوبرا""التافهة"، ويظهر حوارا عاطفيا "رخيصا"على شاشة التيلفزيون،البطل يهز التليفزيون عدة مرات ثم يزيحه أخيرا فيتحطم،ثم يغير حجم اللقطة ل "كلوز"نرى فيه ترافيس ممسكا برأسه وهو يكرر اللعنة،
أو فى مشهد آخر يأكل ترافيس طعامه الفقير،والسياسي يخطب فى التليفزيون،ترافيس هنا يحتقر السياسي وعالمه فينهيه سكورسيزي بالقطع فجأة على صورة وصوت "شوشرة"التليفزيون،
أو فى نقل سريع كأنه الفعل ورد الفعل اللازم،من لقطة للفتاة ايريس مع القواد حيث يخدعها و"يستخدمها"كأنه يحبها، إلى قطع سريع/حاد لترافيس يطلق النار فى مكان للرماية.  
الغضب كملمح رئيسي للبطل،يقدمه سكورسيزي مصاحبا أغلب الوقت بنغمات موسيقى آلة الساكسفون –الآلة الرئيسية مع البيانو فى موسيقى البلوز والجاز- وهما صرخة الغضب الموسيقية الموازية التي عبر بها الأمريكيين من أصل أفريقي "الزنوج"عن غضبهم.
وإذا كان البطل فشل فى خطته للحل الفرد،أي اغتيال المرشح الرئاسي،فهو يغير وجهته محققا ذلك الحل بقتل اثنين من القوادين وأحد زبائن الدعارة، والذين يستغلون الفتاة "ايريس"التي لم تتجاوز الثالثة عشرة! هو مشهد"ماستر سين"دراميا واخراجيا حيث استخدام المسدس أخيرا،اطلاق النار،الدم، الجثث، حيث العنف المحمل بمبررات درامية عدة،كلها تفاصيل ستحضر فيما بعد فى عالم سكورسيزي!
أما الأجمل إخراجيا حتى من مشهد "الماستر سين"هذا هو حركة الكاميرا فى نهايته،يخرج سكورسيزي "زووم أوت"طويل من الغرفة وبهدوء يخرج بالكاميرا منتقلا للممر فى بيت الدعارة، ثم "زووم إن"طويل على غرفة البطل فى مكان آخر،النقلة البصرية هنا خادمة للدراما كخطوة أولى،ثم تبرز فكرة حضور المخرج وتوجيه عين المشاهد التي تحدثنا عنها كملمح بارز،وأخيرا مفجرة لمفاجأة أن البطل لم يمت بل كوفئ–اجتماعيا ودراميا- بالشفاء وتحول لبطل خلص الفتاة الصغيرة من الدعارة ونال ثناء المجتمع متمثلا فى نشر قصته فى الجرائد،والأهم الخطاب الذي نراه فى غرفة البطل مع صوت "فويس أوفر"لوالدي الفتاة ايريس وهما يمتدحان فعل البطل ويطمئنانه أن ايريس عادت للبيت والمدرسة،حيث ينبغي أن تكون،
شهد الفيلم أيضا علامة تمثيلية لدي نيرو فى عنفوان الشباب،صارت فيه جمله مثل: أتتحدث إلى؟!
 أو مشاهده أمام المرآة مصوبا المسدس،ومشهده حليق الرأس إلا من جزء صغير فى منتصف الرأس وهو مرتديا الجاكت متربصا بالمرشح الرئاسي لاغتياله،وعلى شفتيه ابتسامه السخرية والرغبة فى الانفجار ليدمر هذا "السيرك"، تحولت تلك المشاهد لأثر خالد فى ذاكرة المشاهد، وسنتحدث فى مقالات أخرى عن الكاتب،أما سكورسيزي، فعاد مرات بعدها لمدينته الأثيرة نيوريوك لتجسيد تنوعيات ذلك الغضب والعنف وأزمات السياسة والبحث عن الحل،من خلال الرجل المصاب بأزمة فى التكيف مع النساء وبدرجة أكبر مع المجتمع وعالم الجريمة والعنف كما نرى مثلا فى الثور الهائج وعصابات نيويورك وغيرهما،
واخيرا تبدو طرافة شخصية سكورسيزي نفسه فى أداء تمثيلي لأدوار صغيرة فى أفلامه وأفلام آخرين فى شخصية يؤديها بنفسه لرجل يطلب وقوف السائق تحت نافذة بيت تخونه فيه زوجته،ونلحظ أداء سكورسيزي الساخر-بمرارة- وكيف زرع فكرة السلاح فى ذهن السائق كحل للأزمة، تلك السخرية "السوداء"خاصة ونحن لم نجد الراكب يفعل أي شيء سوى الحديث الأقرب للهذيان عن الانتقام،ثم يختفي الراكب من الفيلم بينما تظل الطرافة والسخرية فى شخصية المخرج الذي يقدم عددا كبيرا من تلك الأدوار الصغيرة ،معظمها كوميديا،والأداء الصوتي فى أفلام الكارتون، لكن الأهم 
والأكثر خلودا أنه يدهشنا بأفلامه كمخرج من أهم علامات الفن السابع.

 ***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 30 يونيو 2014
Viewing all 85 articles
Browse latest View live


Latest Images